الحرية لا تُحتل
كتب: جودت مناع
عندما وقف القائد
الاسكتلندي وليم والاس أمام مقاتليه قبيل معركة جسر ستيرلنغ في ١١ أيلول عام 1297،
لم يكن يخاطبهم بلغة القوة العسكرية أو تفوق السلاح، بل بلغة الحرية. فالعبارة
المنسوبة إليه: «قد يسلبون حياتنا، لكنهم لن يسلبوا حريتنا أبدًا» تحولت إلى واحدة
من أكثر العبارات تعبيرًا عن فلسفة مقاومة الاحتلال في التاريخ الإنساني. إنها
ليست دعوة إلى القتال بقدر ما هي إعلان أن الحرية قيمة أعلى من الحياة نفسها عندما
تكون الحياة مقرونة بالعبودية والخضوع.
وقد أثبتت معركة
ستيرلنغ أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير موازين القوى. فقد انتصر الاسكتلنديون
بقيادة والاس وأندرو موراي على جيش إنجليزي أكثر عددًا وعتادًا، ليصبح ذلك
الانتصار رمزًا لنضال شعب يسعى إلى الاستقلال. لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية،
بل انتصارًا لفكرة أن الشعوب لا تستسلم مهما بلغت قوة المحتل.
هذا الدرس يتكرر في
تجارب شعوب كثيرة، ومنها الشعب الفلسطيني الذي يخوض منذ أكثر من قرن معركة مفتوحة
دفاعًا عن أرضه وحقوقه الوطنية. فجوهر القضية الفلسطينية لم يكن يومًا صراعًا على
الحدود فقط، بل صراعًا على الحرية والكرامة والحق في تقرير المصير. ولذلك بقي
الفلسطيني متمسكًا بأرضه وهويته رغم التهجير والحصار والقتل والاعتقال، مؤمنًا بأن
الاحتلال مهما امتلك من أدوات القوة لا يستطيع انتزاع إرادة شعب يرفض الخضوع.
ولعل هذه الحقيقة هي ما
عبّر عنه الزعيم الفيتنامي هو تشي منه بقوله: «لا شيء أثمن من الاستقلال والحرية».
فقد انتصرت فيتنام بعد عقود من الكفاح ضد قوى عظمى كانت تبدو عصية على الهزيمة.
كما جسد نيلسون مانديلا المعنى نفسه عندما خرج من السجن بعد سبعة وعشرين عامًا ليقود
شعبه نحو الحرية، مؤكدًا أن القيد يمكن أن يطوق الجسد لكنه لا يستطيع أسر الروح.
وفي الجزائر، قدمت ثورة
التحرير نموذجًا آخر لإرادة الشعوب، حين تمكن الجزائريون بعد تضحيات جسيمة من
انتزاع استقلالهم من أحد أكثر الأنظمة الاستعمارية قسوة في القرن العشرين. وقد
أدرك قادة الثورة أن معركة التحرر تبدأ في الوعي قبل أن تُحسم في الميدان.
إن ما يجمع بين
اسكتلندا وفيتنام والجزائر وجنوب أفريقيا وفلسطين هو أن الحرية كانت دائمًا المحرك
الأول للنضال. فالمحتل يستطيع أن يحتل الأرض، لكنه لا يستطيع احتلال الضمير الوطني
أو مصادرة حلم الحرية. ولهذا تبقى كلمات وليم والاس حية عبر القرون، لأنها تعبر عن
حقيقة أثبتها التاريخ مرارًا: قد تُهزم الشعوب في معارك، لكنها لا تُهزم ما دامت
متمسكة بحريتها، فالإرادة الحرة هي السلاح الذي لا يستطيع أي احتلال نزعه من أصحاب
الأرض والحق.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























