وليد عبد الحي يكتب: انتبهوا أيها السادة.. اسرائيل تلعب في الفضاء الرقمي
وليد عبد الحي
شكل الفضاء الرقمي ساحة
مواجهة جديدة في الصراع العربي الصهيوني ، ودخل العقل الصهيوني الى هذا الفضاء
سعيا وراء توظيفه لصالح مقولاته السياسية، وهنا تشابكت خطوط علم النفس مع خطوط
الاجهزة الامنية الاستخبارية بتنسيق مع هيئات الاتصال والاعلام لخدمة اهداف تضعها
الخارجية الاسرائيلية وتُرَشِّدها مراكز دراسات متخصصة .
ولما كانت وسائط
التواصل الاجتماعي احد مسارح هذه المواجهة ، أقامت اسرائيل هيئات متخصصة لاستغلال
هذا الميدان ، او وظفت بعض المعاهد والجامعات ومراكز الدراسات للمساهمة في انجاز
هدف محدد وهو "اختراق البيئة العقلية والنفسية العربية " بعد فهم هذه
البيئة لتحقيق ثلاثة اهداف هي:
أ- تحديد الشقوق
الاجتماعية في البنية العربية بخاصة الهويات الثقافية الفرعية(التباينات الدينية
او المذهبية او اللغوية او الاصول العرقية ...الخ) والعمل على تعميق الصدع
فيها.
ب- توجيه الاهتمام
الشعبي العربي نحو قضايا تهمش الاكثر اهمية لصالح القضايا غير ذات القيمة (قضايا
المثلية او عنف الملاعب او النبش التاريخي لإحياء احقاد وضغائن بين
قبائل او سرديات وطنية معينة وتوسيع هوامش الخلاف او التباين وتحويله من هامش الى
متن...الخ.
ج- احلال اعداء جدد
للعرب محل العداء العربي لاسرائيل.
ذلك كله ليس منفصلا عن
ماكينة الدعاية الصهيونية "الهاسبارا)(Hasbara)،
وساقدم الادلة القاطعة على ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
اولا: انشات
اسرائيل منذ سنوات برامج لتدريب طلاب متطوعين للدفاع عن الرواية الاسرائيلية
اتي تعالج اي موضوع سياسي او اقتصادي او عسكري ، فمثلا في حرب 2014 تم
تجنيد 400 طالب من المتدربين للتغلغل في وسائل التواصل الاجتماعي العربي لتحميل المقاومة
الفلسطينية سبب كل ما يجري على غرار الحملة التي تبعت طوفان الاقصى ، وذلك
بالتركيز على المعاناة الاجتماعية للفلسطينيين والفشل العسكري للمقاومة وعدم
جدواها والتشكيك في ارتباطات قادتها ...الخ ،ويتم ذلك من خلال حسابات باسماء
عربية او فيديوهات تلاعب فيها الذكاء الاصطناعي (وسنقدم امثلة على ذلك بعد
قليل).
ثانيا: هناك مشروع
اسرائيلي اسمه(Act for Israel )،وهو
شبكة من المتطوعين الذين يطلب منهم الدخول على وسائل التواصل العربية او
المعادية لاسرائيل للمشاركة او التعليق او الابلاغ عن محتوى معين ، ويرتبط المشروع
بجامعة ريخمان(Reichman)(هرتزليا ) من خلال
معهد السياسة والاستراتيجية وبالمجلس الاسرائيلي الامريكي ودعم من وزارة الشؤون
الاستراتيجية الاسرائيلية.
ثالثا: هناك برامج
محددة تم تنشيطها للتغلغل في وسائل التواصل العربية بخاصة في فترات الحروب مثل:
أ- برنامج "Israel Under
Fire" : وهو برنامج استخدم خمس
لغات من بينها العربية للدفاع عن السلوك الاسرائيلي والتشكيك في كل رواية المقاومة
عام 2014، وشارك فيه 400 طالب، وكان هؤلاء يدخلون في مناقشات مع عرب وباسماء
عربية مزيفة ويثيروا الصراعات بين المشاركين العرب ثم ينسحبوا من المناقشة
بهدوء.(يمكن التعرف على التفاصيل في صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان :
Israel and Hamas clash
on social Media -2014.
ب- في مشروع "Act.IL" المشترك بين هرتزليا والمجلس الامريكي
الاسرائيلي تركز البرنامج على الابلاغ عن منشورات معينة ذات اهمية خاصة، او
عمل مشاركة(Share)لموضوعات تتعاطف مع
اسرائيل لتوسيع الاطلاع عليها، او تشكك في الرواية العربية، او يتم طرح موقف
واعتباره عريضة والمطالبة بالتوقيع عليها،
ت- البحث عن مناصرين
لاسرائيل ثم انشاء منصة اجتماعية خاصة لهم ، ويمكن العودة لمعرفة تفاصيل مثل هذا
المشروع في :
Times of Israel-
Student startup gives pro-Israel advocates a unified voice.2017
ث- يشتمل برنامج "Public
Diplomacy Program " طبقا لمنشورات هرتزليا على ما يسمى" Situation Rooms" هدفها جمع المعلومات الاستخبارية من منصات
التواصل الاجتماعي (معلومات عن الاشخاص واهتماماتهم ومواقفهم او صلاتهم السياسية
او الاجتماعية او المعلومات الشخصية...الخ) ليتم توظيفها من قبل الجهات الامنية
الاسرائيلية. وتقدر بعض الصحف الاسرائيلية أن هناك 180 فردا يعملون في مراقبة هذا
الجانب وتحضيره، اضافة الى انشاء فيديوهات" مزورة" حول الموضوع، وكثيرا
ما وقع المتلقي العربي في شباك هذه المعلومات والفيديوهات( التفاصيل
فيTimes of Israel) تحت
عنوان:
Students Expose fake
social media Reports on Israel Gaza .2021
رابعا: فتح حسابات
عربية مزورة على وسائط التواصل الاجتماعي ، وهناك اشارات لوجود حوالي 700 حساب
عربي مزور يشرف عليها اكاديميون اسرائيليون وبخاصة من علماء النفس ، وتشير دراسة
عن(DemTech ) في
Oxford Internet
Institute
عنوانها:
Country Case Studies
–Industrialized Disinformation :2020 Global Inventory of Organized Social Media
Manipulation.pp209-214
الى نماذج من الحسابات
الوهمية ومضامينها والطرق التي يجري اتباعها للتغلغل في الحسابات العربية وكشف دور
المؤسسات الاسرائيلية في كل ذلك بخاصة في جانب تمويل كل هذا النشاط.
وتعمل هذه البرامج على
فتح حسابات عربية تحمل اسماء عربية وتتعمد استخدام الفاظ عربية توحي بجنسية
المستخدم واحيانا توضع اعلام لدولة صاحب الحساب المزور ، لكن تحليل مضمون هذه
الحسابات يشير الى الاهداف الثلاثة التي اشرنا لها في مقدمة هذا المقال، وهو ما
يتبين من دراسة اسرائيلية ل:
Institute for
Counter-Terrorism الذي
تخصص في هذا المجال ومن خلال معهد الامن القومي الاسرائيلي الذي يركز على ايران
وتقديمها بصورة معينة للقارئ العربي عبر الحسابات العربية المزورة أو دراسات
للتحذير من التغلغل الايراني في شبكات التواصل ،ويكفي العودة لدراسة المعهد:
Inbal Orpaz and David
Simon-tov -Foreign Interference and Iranian Influence on Social Networks in
Israel.INSS.2024.
ويتعزز الدليل على
الحسابات العربية المزورة التي تفتحها اسرائيل وجود مجموعة تطلق عل نفسها
"مجموعة ارخميدس"
"Archimedes
Group" والتي قامت بنجنيد
افراد من وحدات الاستخبارات الاسرائيلية للعمل في هذه المجموعة وانشاء
حسابات مزورة، بخاصة ان لديهم خبرة في مجال (Avatars) او الهويات المزورة.
خامسا: التركيز على
الهويات الفرعية(المذاهب الدينية والقوميات واللغات..الخ في العالم العربي): ويتم
ذلك بتكرار التنوعات والفروق بينها والمبالغة في بعض الحوادث ،واستغلال النزق
السائد في لحظة معينة بين هذه التنوعات، وقد وجدت دراسة اسرائيلية من خلال تحليل
مضمون وسائط التواصل العربي ان التركيز فيها على التباينات التي تفرق لا المشتركات
التي تجمع ، وتتمثل في النماذج التالية:
أ- العرب السنة في
مواجهة العرب وايران الشيعة
ب- التدين والعلمانية
في مصر
ت- الطائفة في لبنان
ث- مثلث الشيعة السنة
الاكراد في العراق
ج- ايران ودول الخليج
ح- المسيحيون العرب
خ- ثنائية فلسطيني
اردني
ويتبين في اطار وسائل
التواصل الاجتماعي من دراسةMeta وعنوانها :
Coordinated
Inauthentic Behavior
ان هناك شبكة
كبيرة تديرها شركة اسرائيلية اسمها STOIC" " وهي ضمن نشاطات عمل الحسابات لمزيفة التي
انشاتها اسرائيل لتاجيج كل ما سبق.
سادسا: من يوجه هذا
النشاط من المختصين:؟
هناك شبكة من علماء
النفس الاسرائيليين الذين درسوا المجتمع العربي ،وادركوا الشقوق في البنية النفسية
والتي يمكن التسلل من خلالها ،وبعضهم مختص في علم النفس الاتصالي تحديدا ، ومن
ابرز الاسماء:
- دانيال كانيمان- Daniel Kahneman-" يركز على التحيزات المعرفية
- اموس تفيرسكي- Amos Tversky: يركز على تاثير الاطار الذي يحلل الفرد من خلاله المعلومة التي
يتلقاها.
- فيليب اسولين(Philippe Assouline" وله دراسة في غاية الاهمية حول كيفية تشويه
المشاعر ،ونشرها في معهد الامن القومي الاسرائيلي تحت عنوان:Weapons of Mass Disruption
ويركز على وسائل
التواصل الاجتماعي والتاثير على المشاعر العامة في المجتمع.
الى جانب هؤلاء هناك
موران يارشي(Moran
Yarchi) الذي تخصص في جانب معين
وهو النشاط الاسرائيلي في الفضاء الاعلامي الرقمي، وهنا ك تال صموئيل ازرون(Tal Samuel Azron) وهو من الدراسين للخطاب الاسرائيلي الموجه للعرب
،...الخ.
الخلاصة:
من الضروري الحذر من
الحسابات الوهمية، ومن الدخول في مناقشات تغذي التباين لا التقارب، لا تغرك
الاسماء العربية او استخدام الامثال او المفردات الدالة على شخصية او وطن، فهم
يتغلغلون امنيا واقتصادية واجتماعيا وسياسيا، ويريدون الآن عبر التواصل الاجتماعي
ان " يشككوك في قيمك وانتماءاتك وروابطك الآلية والعضوية معا"، قد يبدو
متعاطفا ومادحا لم تكتبه او تنشره ، لكن ذلك سيحولك لاحقا الى آلة يعبث بها لاعب
خلفه علماء النفس والاجهزة الامنية...فانتبهوا ايها السادة..ربما.

























