المحامي ايمن الحياصات يكتب: أوجعني رحيلك يا بني شهيد الوطن دكتورنا فادي الهلسة
أوجعني رحيلك يا بني في
هذه الجريمة النكراء ، لأني أدرك أكثر من كثيرين ، أنك ما وصلت الى هذه المرحلة من
العلم ، إلا بعد جهد وشقاء وليالي من السهر والتعب والتوتر والشد العصبي الذي كنت
ولا زلت آراه في أبنائي الذين يدرسون الطب ، وأعايش ما يمرّون به من مشقة وضغط ،
وأدرك كم من الصبر يحتاجه المرء ليبلغ الحلم الذي طال انتظاره.
نعم أوجعني رحيلك لأنني
أدرك معنى أن يتعب الإنسان سنوات طوال ، ويؤجل أفراحه ويقاوم إرهاقه ، ويصبر على
مشقته حتى تأتي اللحظة التي ينتظرها بشغف، فيفرح بإنجازه ، ويرى ثمرة تعبه وغربته
، ويبدأ أولى خطواته نحو المستقبل الذي حلم به ، وحلم به والداه معه ليفرحوا وتفرح
معهم بتخريجك ..
لن تكفي أو تفي الكلمات
ولا العبارات ، من معاني العزاء والمواساة لوالديك
"فأي وجعٍ هذا الذي يفوق احتمال قلوبهم”
وانت وحيدهم وفرحتهم
التي انتظروها وكبُرت معهم يوماً بعد يوم ، وقد أنهيت دراسة طب الأسنان وقطفت ثمرة
تعبك ، وكنت على أعتاب مستقبلٍ يليق بأحلامك وأحلام والديك ، وجع لا تستطيع
الكلمات تفسيره ووصفه
” فكيف لقلب والديك أن يستوعبا غيابك وفقدك وصوتك
وضحكاتك "
وأنت لأمك وحيدها وفلذة
كبدها ، وقطعة روحها التي كانت ترى فيها امتداد عمرها وأجمل ما خبأته لها الأيام .
لم يكن الفقد فقدك فقط
، بل كان فقد مستقبل كامل لك ووالديك وعائلتك ، وأحلام لم تكتمل لكل أحباءك وأهلك
، وأفراح كان يُفترض أن تعيشها ويعيشها والديك الذين كانا ينتظران أن يريا ثمرة
تعبهما في نجاح ابنهما وفرحته ومستقبله .
لم ترحل وحدك .. بل
رحلت وأخذت معك قلب أبيك وأمك وتركت خلفك
” بيتاً لن يشبه البيت الذي أشرق فرحاً ونوراً
صبيحة يوم تخرجك ".
نعم المصاب جلل والفقيد
بحجم الوطن ، ولكن يبقى عزاؤنا جميعاً على عظم الوجع ، بأنك لست فقيد أهلك فقط
وأنما فقيد الوطن كله ، ترابه وشعبه سماءه وهواءه وأسلامه قبل مسيحيته .
أمك الآن قلب منكسر ..
وكلما دق بابها ظنت أنك أنت من يدق بابها
” ولعل قلبها يسبق عقلها إلى الظن حقاً بأنك أنت
الطارق "
وأنك عدت لتدخل عليها
بصوتك وضحكتك وملامحك .
” فيا جبراً وسكينة يليق بعظيم لطفك يا رب لها ” .
ولكم أشعر بالخجل يا
بني أمام نعشك الطاهر ، لأن من قتلوك بدم بارد يدعون الأسلام ، وأسلامنا منهم براء
لا يمتون له بصله ، فديننا جاء حرمةً للدماء وصوناً للأرواح ، وبراءةً من الظلم
والعدوان ، وأسلامنا الحق بريء من جريمتهم ومن فكرهم المنحرف ومن كل فعلٍ يناقض
قيمه ومبادئه وعقيدته السمحة ، فلا دين يبرر قتل الأبرياء ، ولا عقيدة تبيح الغدر
بالآمنين ، وأرهابهم لا دين له .
هم آرادوا بقتلك زعزعة
أمن وأستقرار الأردن ووحدة شعبه عشائره وقبائله مسيحيوه ومسلميه ، ولم يدركوا أن
دماءك الطاهرة الزكية وحدت الصف وزادتنا تماسكاً وحرصا على وحدة ترابنا الوطني
ونسيجنا الأجتماعي والأهلي .
وليعلم كل ذي علم ..
” أنك أبن هذه الارض والأردن والكرك منذ فجر
التاريخ "
وهم الغرباء والدخلاء
بفكرهم الضلالي الجبان .
انت عربي جذور مسيحيتك
على هذه الارض قبل جذور المسيحية حول العالم ، وجذور مسيحيتك على هذه الأرض قبل
دخول الأسلام لها ، وإخوتك المسلمين شركاؤك في الأرض والمصير والوطن ، وهذه الأرض
لم تكن يوما حكرا على أبنائها من دينٍ دون آخر ، بل كانت وستظلّ وطنا يجمعهم تحت
راية واحدة.
أشعر بالخجل منك يا بني
، فلو شاءت الصدف والأقدار أن أكون ضمن مقدمي العزاء خلال الجريمة النكراء
” لأفتديتك بروحي وضممت جسدي لجسدك فلا تصيبك
رصاصة الغدر والضلال والكفر ” .
الأردن كله يا بني يشعر
بالخجل أمام نعشك .. حقاً نشعر بالخجل أمامك .
أبكيت قلوبنا ؤادميت
أرواحنا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .

















