من البرازيل إلى صربيا.. إرادة الشعوب تتحدى اليمين المتطرف وتحالفاته
د. مروان إميل طوباسي
في عالم تتصاعد فيه
النزعات اليمينية المتطرفة، وتتراجع فيه قيم العدالة والقانون الدولي أمام منطق
القوة والهيمنة ، جاءت التطورات الانتخابية في البرازيل وصربيا لتفتح نافذة أمل ،
وتؤكد أن إرادة الشعوب ما زالت قادرة على تغيير موازين القوى ، وأن صعود اليمين المتطرف
وتحالفاته ليس قدراً تاريخياً محتوماً .
ففي البرازيل ، حقق
الرئيس "لولا دا سيلفا" انتصاراً انتخابياً بولاية رابعة ، متقدماً على
فلافيو بولسونارو ، ممثل اليمين المتطرف وامتداد المشروع السياسي لوالده . ولم يكن
الفوز مجرد تجديد للثقة برئيس يساري ، بل تعبيراً عن قدرة القوى الديمقراطية
اليسارية والتقدمية على بناء تحالفات شعبية واسعة في مواجهة الشعبوية اليمينية
والاستقطاب السياسي .
وتتجاوز دلالات هذا
الانتصار حدود أمريكا اللاتينية ، إذ يمثل انتكاسة للمحور اليميني المرتبط بسياسات
ترامب ونتنياهو ، ويعزز موقع البرازيل داخل مجموعة «بريكس» ومساعي بناء نظام دولي
أكثر تعددية واستقلالاً عن الهيمنة الأميركية . كما يحمل أهمية خاصة لفلسطين ،
بالنظر إلى مواقف "لولا" المتقدمة في إدانة حرب الإبادة الإسرائيلية على
غزة ، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي ، في مواجهة تيار
"بولسونارو" المتحالف مع اليمين الإنجيلي الصهيوني المؤيد لإسرائيل .
وفي صربيا ، استطاعت
الحركة الطلابية التي انطلقت احتجاجاً على الفساد وغياب المساءلة عقب كارثة محطة
قطارات نوفي ساد عام ٢٠٢٤ ، أن تتحول إلى قوة شعبية وانتخابية واسعة ، تتحدى هيمنة
"ألكسندر فوتشيتش" ، الذي عزز علاقات بلاده بإسرائيل وبنتنياهو تحديداً .
وتستعيد هذه التحولات
أسئلة الهوية السياسية لصربيا ، وريثة يوغسلافيا التي لعبت دوراً بارزاً في حركة
عدم الانحياز ودعم الحقوق الفلسطينية ، وإن كان من المبكر الجزم باتجاهات السياسة
الخارجية الصربية الجديدة .
ورغم اختلاف ظروف
التجربتين ، فإن ما يجمعهما هو قدرة القوى اليسارية والديمقراطية الاجتماعية
والشبابية على تحويل الاحتجاج إلى فعل سياسي منظم ، ومواجهة منظومات
التحالفات اليمينية عبر صناديق الاقتراع . وهي رسالة تتجاوز البلدين إلى أوروبا
والولايات المتحدة ، عشية انتخابات التجديد النصفي الأميركية بالكونجرس والأحداث
الجارية بدول أوروبية ، بأن مواجهة اليمين المتطرف تتطلب برامج اجتماعية مقنعة،
وتحالفات شعبية واسعة، ومؤسسات ديمقراطية تستعيد ثقة المواطنين .
وهنا تبرز الدلالة
الفلسطينية الأهم ، فالشعب الذي يخوض معركة التحرر من الأحتلال والإستعمار
الإستيطاني يحتاج أيضاً إلى تجديد نظامه السياسي وشرعياته الديمقراطية ، واستعادة
المشاركة الشعبية والمساءلة وسيادة القانون . إن استمرار تأجيل الانتخابات
الفلسطينية يضعف الجبهة الداخلية ، في وقت تؤكد فيه تجارب الشعوب أن الديمقراطية
ليست خياراً سياسياً ، بل مصدر قوة في مواجهة الهيمنة والأحتلال باعتبارها أداة في
معركة التحرر الوطني .
ولا تقدم البرازيل
وصربيا وصفة جاهزة للحالة الفلسطينية ، ولا تعني نتائجهما نهاية اليمين المتطرف أو
تحالفاته الدولية ، لكنها تؤكد أن التغيير ممكن حين تمتلك الشعوب إرادتها، وتتوفر
قوى سياسية قادرة على تنظيمها وترجمة تطلعاتها إلى إرادة وبرامج ومؤسسات .
وفي زمن تتوالى فيه
حرأئم الأحتلال في فلسطين وقرارات ترامب اليمينية حول العالم ، تحمل هذه
التحولات بعض الأمل ، وتذكرنا بأن معركة التحرر الوطني وتجديد الديمقراطية ليستا
مسارين منفصلين ، بل ركيزتين لمشروع وطني قادر على صناعة المستقبل .
* كاتب وسياسي فلسطيني
















