أكتب ودموعي تسيل... فماذا فعلتم بالأردن يا أبناء الهلسة؟!
كتبت شيرين قسوس
أكتب هذه الكلمات وقلبي
مثقل بالحزن، وعيناي تملؤهما الدموع. أحاول أن أجد من الكلمات ما يعبّر عن حجم هذا
المصاب، وأن أستوعب وقع الفاجعة التي ألمّت بنا وبوطننا. فبعض الأحداث أكبر من أن
تختصرها العبارات، وبعض الخسارات تترك في النفس أثراً لا تمحوه الأيام، خصوصاً حين
يكون الوجع في الأهل والأقارب، وحين يمتد أثره ليطال وطناً بأكمله.
فماذا فعلتم بالأردن يا
أبناء الهلسة؟!
أيُّ رجال كنتم؟ وأيُّ
إرث تركتم خلفكم؟ وأيُّ وجع زرعتم في قلوبنا برحيلكم؟ لقد كانت عشيرة الهلسة
وستبقى عنواناً للتاريخ المشرف، والعلم، والكرامة، والانتماء، وعنواناً لرجال لم
يعرفوا يوماً معنى التراجع حين يتعلق الأمر بالوطن. تاريخكم ليس حكاية تُروى في
المجالس، ولا صفحات تُقرأ في الكتب، بل تاريخ صنعه رجال حملوا العلم في عقولهم،
والوطن في قلوبهم، والكرامة في مواقفهم. تاريخ يرفع الرأس، ويجعل أبناء هذه
العشيرة يقفون اليوم، رغم انكسار قلوبهم، شامخي الهامات أمام عظمة ما قدمه رجالهم.
لقد فقدنا علماء لم
يكونوا مجرد أسماء أو أصحاب شهادات ومناصب؛ كانوا عقولاً وطنية، وقامات علمية،
ورجال رسالة. خدموا الأردن بعلمهم وفكرهم وعملهم، وقدموا للوطن أعظم ما يملكه
الإنسان: عقله ووقته وروحه. وحتى في مماتهم، تركوا للأردن خدمة لا تُقدّر بثمن؛
فقد أصبح استشهادهم صرخة في وجه التطرف، وشاهداً على خطورة الفكر الذي يستهدف
العقول قبل الأجساد، ورسالة مدوية بأن مواجهة الظلام تبدأ بالعلم، وأن السكوت أمام
التطرف ليس خياراً.
إن دماء شهدائنا لن
تذهب هدراً، ولن نسمح أن تتحول تضحياتهم إلى مجرد ذكرى عابرة.
ستكون دماؤهم أساساً
لموقف وطني لا يتراجع، وستكون أسماؤهم حاضرة في كل معركة فكرية ضد التطرف والتعصب
والجهل. لن نسمح أن يُغتال العلم مرتين؛ مرة برحيل أصحابه، ومرة بالصمت عن الرسالة
التي حملوها. هؤلاء لم يسقطوا من ذاكرة الأردن، بل ارتفعوا إلى مقام الشهادة بحجم
الوطن، وتركوا في أعناقنا مسؤولية لا تسقط بالتقادم.
وإلى عشائر الأردن
قاطبة، أقول: لقد أثبتم أن هذا البلد لا تحميه حدوده وحدها، بل تحميه قلوب أبنائه،
ونخوة عشائره، وأصالته المتجذرة في وجدان رجاله ونسائه. لقد كانت مواقفكم في هذا
المصاب الجلل أكبر من الكلمات، وأصدق من كل وصف. من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق
إلى الغرب، توحدت القلوب، وتلاقت الأيادي، ووقف الأردني إلى جانب أخيه الأردني،
وكأن الفاجعة وقعت في كل بيت، وكأن الشهداء أبناء كل عشيرة وكل عائلة.
لكم مني كل الاحترام
والتقدير. لقد أثبتم أن النخوة الأردنية ليست موقفاً عابراً، وأن العشائر الأردنية
حين يُصاب أحد أبنائها لا تقف متفرجة، بل تهبّ بكل ما تملك من شهامة ووفاء وكرامة.
وهذا هو الأردن الذي نعتز به؛ الأردن الذي لا يعرف التخلي عن أهله، ولا يترك
أبناءه وحدهم في لحظات الانكسار.
لقد ظن البعض أن
الفواجع تكسر الأوطان، لكنهم لم يعرفوا الأردن. هذا الحدث الجلل هزّ وجداننا،
وأوجع قلوبنا، وأدمى بيوتنا، لكنه لم يزدنا إلا وحدة وتماسكاً وصلابة. لن نسمح
للمصاب أن يفرقنا، ولن نسمح للألم أن يتحول إلى شرخ بين أبناء الوطن الواحد. نحن
أكثر قوة حين نكون معاً، وأكثر صلابة حين نتمسك ببعضنا، وأشد إصراراً على حماية
وطننا حين نرى الثمن الذي دفعه أبناؤه.
أما أنا، فها أنا أكتب
لكم الآن ودموعي تسيل، لا أكتب بصفتي متابعة لحدث أو ناقلة لخبر، بل أكتب بصفتي
واحدة من أهل المصاب، امرأة فقدت أقرباءها، وفقدت خالها محمداً، وفقدت رجالاً من
دمها وأهلها.
أنا لا أبكي أشخاصاً
رحلوا فحسب؛ أنا أبكي أعمدة من أهلي، وأبكي قامات كان لها في القلب مقام، وأبكي
خالي محمداً، وأبكي أقربائي الذين ارتقوا شهداء بحجم الأردن، لا بحجم عائلاتهم
وحدها. أبكيهم لأنهم يستحقون الحياة، ولأن الوطن فقد عقولاً ورجالاً كان يمكن أن
يقدموا له الكثير، ولأن رحيلهم ترك في صدري جرحاً لن تداويه الأيام بسهولة.
يا خالي محمد، ويا
أحبتي الشهداء، لن يكون رحيلكم نهاية الحكاية. لن أسمح أن يُختصر تاريخكم في يوم
الفاجعة، ولن أسمح أن تنطفئ الرسالة التي حملتموها. ستبقون في وجداني أحياء، وستبقى
سيرتكم تاجاً على رؤوسنا، وسأرفع أسماءكم بفخر مهما اشتد الوجع، لأنني أؤمن أن
الرجال العظام لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بحجم الأثر الذي
تركوه وبعظمة المبادئ التي ماتوا عليها.
يا أبناء الهلسة، لا
تحنوا رؤوسكم! فأنتم أبناء تاريخ لا ينكسر، وأبناء رجال كتبوا أسماءهم في سجل
الشرف بمداد التضحية. ابكوا أحبتكم، فالبكاء حق، واحزنوا على فقدكم، فالحزن وفاء،
لكن ارفعوا رؤوسكم عالياً، فهؤلاء شهداء وطن، وليسوا مجرد ضحايا فاجعة.
ويا عشائر الأردن، ليكن
هذا المصاب عهداً جديداً بيننا؛ عهد أن نبقى صفاً واحداً، وأن نحمي وحدتنا، وأن
نرفع صوتنا في وجه كل فكر متطرف، وأن نكون أوفياء لدماء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً
لمواقفهم ورسالتهم.
لن يرهبنا الإرهاب، ولن
يسكتنا الخوف، ولن تفرقنا المحن. سنبقى أردنيين، يجمعنا وطن واحد، وتربطنا دماء
الشهداء، وتوحدنا كرامة هذا التراب.
إنني أكتب ودموعي تسيل،
وأقولها من أعماق قلبي: لقد فقدنا رجالاً بحجم وطن، لكن الأردن لم يفقد عزيمته،
والهلسة لم تفقد تاريخها، والعشائر الأردنية لم تفقد نخوتها.
رحم الله خالي محمداً،
ورحم أقربائي، ورحم جميع شهدائنا، وأسكنهم فسيح جناته.
عظّم الله أجر الأردن،
وعظّم الله أجر عشيرة الهلسة، وعظّم الله أجر كل أردني مسّه هذا الوجع.
سلامٌ على أرواحكم يا
شهداءنا، سلامٌ على العلم الذي حملتموه، وعلى الوطن الذي أحببتموه، وعلى الدماء
التي لن تكون هدراً ما دام في الأردن قلب ينبض، وصوت يرفض التطرف، ورجل يقف شامخاً
دفاعاً عن الحق.
فأنتم لم ترحلوا وحدكم... لقد تركتم فينا وصية
وطن، وجرحاً لا يموت، وعهداً لن نخونه.















