من الخليل إلى غزة ومخيمات شمال الضفة.. مخططات احتلالية للتهجير الدائم
تتزايد المؤشرات على
أن ما يجري في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية يتجاوز كونه عدوانا عسكريا مؤقتا،
ليتجه نحو فرض واقع سكاني وجغرافي جديد، يقوم على إفراغ أحياء فلسطينية من سكانها،
والاستيلاء على مبانٍ سكنية وتحويلها إلى مواقع عسكرية، دون تحديد موعد لعودة الأهالي
أو تقديم ضمانات فعلية بذلك، وهو ما يثير مخاوف من وجود خطة إسرائيلية لتحويل
النزوح القسري إلى تهجير دائم، على غرار ما شهدته أحياء في قطاع غزة ومخيمات شمال
الضفة الغربية.
"المركز
الفلسطيني للدراسات السياسية" (مستقل) حذر من أن "العملية العسكرية
الإسرائيلية المتواصلة في الخليل للأسبوع الثاني على التوالي تمثل تحولاً في
أساليب السيطرة على الضفة الغربية، عبر نقل نموذج الإخلاء والهدم الذي طُبق في
غزة، وتكرر في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إلى الأحياء الحضرية والتجمعات
السكنية في المدينة.
وأوضح المركز، في تقدير
موقف تلقته "قدس برس" اليوم الجمعة، بعنوان "من المخيمات إلى
المدينة: الخليل وانتقال نموذج السور الحديدي إلى الأحياء الحضرية في الضفة
الغربية"، أن العملية لا تقتصر على ملاحقة منفذي عمليات، بل تجمع بين إخلاء
أحياء سكنية وهدم منشآت والاستيلاء على مبانٍ وتحويلها إلى مواقع عسكرية، بالتوازي
مع خطط معلنة لتطبيق نموذج المخيمات على أحياء خرج منها منفذو عمليات.
وبحسب بيانات بلدية
الخليل حتى 29 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بلغ عدد النازحين من الأحياء المستهدفة
نحو 4,969 شخصاً ينتمون إلى 780 أسرة، بينهم أكثر من 200 رضيع و32 شخصاً من ذوي
الإعاقة، في مؤشر على حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها إجراءات الإخلاء.
ويكمن الخطر، وفق
تقدير المركز، في أن الاحتلال يربط عودة السكان بتحقيق ما يسميه "الأهداف
الأمنية"، من دون وضع سقف زمني واضح، بما يجعل عودتهم رهناً بقرار إسرائيلي
مفتوح، ويمنح سلطات الاحتلال مجالاً لإطالة أمد النزوح، وصولاً إلى تثبيت إفراغ
الأحياء من سكانها. وتتضاعف هذه المخاوف مع الاستيلاء على مبانٍ سكنية وتحويلها
إلى مواقع عسكرية، وظهور مؤشرات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني.
ويستحضر ما يجري في
الخليل تجربة مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي بدأت فيها العمليات الإسرائيلية
منذ كانون الثاني/يناير 2025، وشهدت إخلاءً واسعاً للسكان وتدميراً للبنية
العمرانية ومنعاً للعودة، في نموذج يهدد بأن يصبح سياسة قابلة للتكرار في أحياء
أخرى من الضفة الغربية، بصورة انتقائية تستهدف مناطق سكنية ومحاور طرق وأطراف
تجمعات استيطانية.
وفي هذا السياق، رأت
الكاتبة في صحيفة /هآرتس/ الإسرائيلية عميرة هاس أن ما ينفذه جيش الاحتلال في
الخليل منذ الجمعة الماضية لا يمكن وصفه بمجرد "عملية عسكرية"، بل يمثل
مرحلة جديدة من الطرد الجماعي، في إطار ما أسمته "الخطة الحاسمة" لوزير
المالية الإسرائيلي "بتسلئيل سموتريتش".
وقالت هاس، في مقال
نشرته الصحيفة اليوم، إن إجبار السكان على مغادرة منازلهم حتى إشعار آخر هو طرد
بكل معنى الكلمة، وإن استخدام مصطلحات مثل "عملية" و"إجلاء"
يساهم في تضليل الرأي العام بشأن حقيقة ما يجري. واستشهدت بإجبار نحو خمسة آلاف
فلسطيني على مغادرة منازلهم، وباضطرار بعض العائلات إلى الخروج بملابس النوم،
حاملين ما تمكنوا من أخذه من أموال ومقتنيات.
وربطت الكاتبة بين ما
يحدث في الخليل وما جرى في مخيمات شمال الضفة، حيث أُجبر عشرات الآلاف على مغادرة
منازلهم وما زالوا محرومين من العودة، وكذلك ما شهده قطاع غزة من تهجير واسع
النطاق طال نحو مليوني فلسطيني. واعتبرت أن هذه الوقائع تشكل امتداداً لسياسات
الطرد التي تستهدف الوجود الفلسطيني في مناطق مختلفة.
ويشير تقدير المركز
الفلسطيني للدراسات السياسية إلى تداخل دوافع أمنية واستيطانية وديموغرافية في
التصعيد الإسرائيلي، محذراً من أن استمرار الإخلاء دون ضمانات للعودة، إلى جانب
تدمير الممتلكات والاستيلاء على المباني، يثير تساؤلات جدية بشأن مدى توافق
الإجراءات الإسرائيلية مع اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما أحكامها المتعلقة بالنقل
القسري وتدمير الممتلكات.
وطرح المركز ثلاثة
سيناريوهات للمرحلة المقبلة حتى نهاية الربع الأول من عام 2027: أولها استمرار
الوجود العسكري وتحوله تدريجياً إلى احتلال دائم للأحياء المستهدفة، وثانيها
احتواء العملية والانسحاب المشروط، وثالثها توسيعها إلى حملة عسكرية أوسع في الضفة
الغربية. غير أن السيناريو الأول يكتسب أهمية خاصة في ضوء غياب جدول زمني للانسحاب
أو ضمانات واضحة لعودة السكان.
خسائر اقتصادية تتجاوز الأحياء
المستهدفة
ولا تتوقف تداعيات العملية
عند التهجير وتدمير المساكن، إذ امتدت إلى قطاعات اقتصادية واسعة في المدينة، مع
إغلاق مئات المنشآت الصناعية والتجارية وتضرر مصادر رزق آلاف العاملين.
ووفق لجنة الإسناد
والإغاثة في الخليل، تضررت 540 عائلة بصورة مباشرة وواضحة جراء العدوان داخل
المناطق المغلقة، فيما تعرضت أكثر من 380 منشأة صناعية وتجارية للإغلاق أو التخريب
أو التجريف أو الهدم، تركز معظمها في مناطق الجلدة وعين دير بحة وفرش الهوى شمالي
المدينة وغربيها.
وأغلقت قوات الاحتلال
وجرفت 13 منشأة اقتصادية في منطقة "فرش الهوى"، تعمل في قطاعات السيارات
ومواد البناء والبلاط والسيراميك، وكانت توفر نحو 50 فرصة عمل. كما أغلقت 370
منشأة تجارية وصناعية في منطقة عين دير بحة، تشغل مئات العمال، ويبلغ عدد العاملين
فيها نحو ألف عامل.
وقال الناشط
والاعلامي أكرم النتشة لـ"قدس
برس" إن الإغلاق انعكس على قدرة المنشآت الصناعية والتجارية
في مختلف أنحاء المدينة على توزيع البضائع واستيراد المواد الخام، بفعل الحواجز
والقيود المفروضة على حركة الأفراد والمركبات، مشيراً إلى أن عدد الحواجز
والبوابات والسدات الترابية في أنحاء المدينة تجاوز 150 عائقاً.
ونقل النتشة عن
الجهات المختصة قولها إن الخسائر الاقتصادية اليومية للخليل تتراوح بين 10 و12
مليون شيكل، أي ما يعادل نحو 3.2 إلى 3.8 ملايين دولار، تشمل أضراراً مباشرة، من
بينها خسائر يومية تُقدّر بمليون شيكل في قطاع الحليب وحده.
وأوضح أن استمرار
إغلاق المنشآت لا يهدد اقتصاد المدينة فحسب، بل ينعكس على سلاسل التوريد في مختلف
محافظات الوطن، نظراً إلى تمركز قطاعات صناعية رئيسية في الخليل، تشمل الصناعات
الغذائية والحجر والرخام والذهب والمجوهرات والصناعات البلاستيكية والجلدية، إضافة
إلى المنشآت المرتبطة بالمخزون التمويني.
وحذّر من أن هذه
الأضرار تتفاقم بفعل تراجع القوة الشرائية، وانعدام الاستقرار الأمني، واحتجاز
أموال المقاصة، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، ما يخلق
أزمات اقتصادية متداخلة تتطلب استراتيجية وطنية لمواجهتها.
وفي مواجهة هذه
التطورات، دعا المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى تحرك فلسطيني مبكر لمنع
تثبيت الوقائع الجديدة، يشمل تشكيل غرفة عمليات مشتركة لإدارة ملف النزوح، وتوثيق
أوامر الإخلاء والهدم والانتهاكات، وحماية سجلات الملكية، إلى جانب تكثيف التحركين
القانوني والدبلوماسي.
وتتمثل المسألة الأشد
خطورة في الخليل في أن مغادرة السكان لمنازلهم قد لا تكون إجراءً مؤقتاً ينتهي
بانتهاء العملية العسكرية، بل بداية لمسار يهدف إلى إبعادهم عن أحيائهم، ثم إعادة
تشكيلها أمنياً وعمرانياً وديموغرافياً. وبذلك، لا يعود التهجير مجرد نتيجة جانبية
للعملية، بل احتمالاً لسياسة تتكرس عبر إطالة أمد النزوح، ومنع العودة، وتغيير
معالم المناطق المستهدفة، على غرار ما حدث في غزة ومخيمات شمال الضفة.















