جذر الداء
د. عبدالله الطوالبة
رفع الخوارج شعار
"إن الحكم إلا لله"، في الرد على علي بن أبي طالب بعد انشقاقهم عن جيشه
بحجة قبوله التحكيم مع معاوية بن أبي سفيان. فرد عليهم علي، بقولة عميقة المعنى
قوية الدلالة ما تزال تتردد في فضائنا الثقافي حتى اليوم:"كلام حق يُراد به
باطل، القرآن لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال". على هذا النحو، وُلد مفهوم
"القرآن حمَّال أوجه"؛ إذ كان يمكن لرؤى علي أن تؤسس لقراءة علمية للنص
الديني، تُثمر تعددية ثقافية عربية، تقرأ النصوص في سياقاتها التاريخية وتُخضعها
لقوانين عصرها. ودون ذلك، تذوب الفواصل بين الماضي والحاضر، فيظل الثاني أسيرًا في
فلك الأول، ويخيم الجمود والركود. نعم، النص الديني لا يفسر نفسه بنفسه، بل يفسره
البشر؛ وهم أبناء مراحل تختلف كل منها بمستجداتها وتحولاتها عن سابقتها، وبالتالي
يُفترض أن يواكبها فهم الدين ودوره.
لقد توجهت النصوص
الدينية إلى البشر بمنطوقها ومدلولها، مُذّ تجسدت في التاريخ واللغة، فخضعت وتخضع
لتفسيراتهم وتأويلاتهم واجتهاداتهم. وهي اجتهادات مرهونة بمصالحهم، وبظروف الزمان
والمكان، والإنسان ابن واقعه بأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لذا، من الطبيعي
أن يختلف الناس في فهم النصوص الدينية وتفسيرها وسيظلون مختلفين، لكونها ثابتة في
المنطوق، متحركة في المفهوم بناء على ما سبق ذكره. وهذا ينفي قاعدة "لا
اجتهاد في ما فيه نص"، إذ لا يكتسب النص صفته اللغوية والتشريعية دون تفسير
وتأويل وفهم. فالظروف الموضوعية والذاتية للقارئ تقرر الفهم، وتوجِّه التأويل،
مثلما تتحكم في التفسير.
برَّرَ الخوارج خروجهم
على علي بحجة "إن الحكم إلا لله"، بناء على فهمهم للآية (44) في سورة
المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). بالعودة إلى مراجعنا في
تفسير آي القرآن الكريم، نجد أن هذه الآية لا علاقة لها بالسياسة وشؤون الحكم، بل
تخص لجؤ يهود إلى النبي عليه السلام ليحكم بينهم في قضية زنا أقدم عليها اثنان
منهم. لكن الخوارج انتزعوا الآية من سياقها التاريخي، ووظفوها سياسيًَّا. وما نزال
نحن العرب، دون غيرنا من البشر، نعاني مصيبة انتزاع نصوص الدين من سياقاتها
التاريخية، وتوظيفها لتبرير سياسات ليست بريئة وممارسات إجرامية. وعلى هذه الأرضية
الخصبة بالصراع، اندلعت معركة العقل والنقل في ثقافتنا، ولعل من أفدح نتائجها
تمحور العقل العربي حول النص الديني.
تتجلى هيمنة النقل في
تقييد العقل داخل أسوار النص، واغتراب التاريخ في فلك السمعيات والمرويات. وهي
خطورة مزدوجة الأثر، تتأكد شواهدها في ماضينا وحاضرنا على حد سواء.
يُفترض بمنطق النقل عجز
البشر عن إدراك مقاصد النصوص الدينية، ما لم تَهِب العناية الإلهية بعضهم قدرات
خاصة تمكنهم من ذلك، كما يقول المتصوفة. ولعل أخطر ما في هذا التصور أنه يفضي إلى
منح الماضي (زمن النص)، أولوية معرفية مطلقة؛ لكونه الجوهر والثابت، فيغدو هو
الأصل والحاضر فرعًا عنه، يَخضع له ويُستلب لصالحه. في هذا المنظور الرجعي
الظلامي، الماضي أصل مثالي وأنموذج يجب أن يشاكله الحاضر وإلا صار منحرفًا وضالَّا
وخارجًا عن الدين. وما يزال دمنا يُسفك على مذبح هذه "التهمة"، منذ
قرون، وصولًا إلى جريمة قرية حمود، وحتى استشهاد العريف جواد السلايطة أخيرًا.
لا ريب أن أنماط
التفكير المبيحة للقتل مضادة للإنسانية ولسنن تطور الحياة، لا سيما تلك المؤسَّسة
على فهم مشوه شاذ لنصوص الدين المنتزعة من سياقاتها التاريخية.
كلمة أخيرة: الإرهاب
باسم تطبيق شرع الله جريمة مكتملة الأركان، لا تكفي الحلول الأمنية في التعامل
معها، بل إن الأهم تجفيف مستنقعاتها المرجعية.

















