فاطمة المرنيسي.. قيمة فكرية لا تزال حاضرة!
جلال أبو صالح
"المرأة التي لا تعبر عن
نفسها، ولا تتكلم هي امرأة محجبة، ولا أقصد بالحجاب ذلك الذي يغطي الرأس، وإنما
الصمت!".. بهذه الكلمات المقتضبة ردت الباحثة والمفكرة المغربية، فاطمة
المرنيسي، حينما تم سؤالها في حوار صحافي حول إشكالية المرأة العربية في عالمنا.
والمرنيسي؛ ولدت بفاس سنة 1940، وترعرعت في وسط محافظ، عايشت
فترة الاستعمار الفرنسي، وحظيت بالتعليم في مدرسة مستقلة عن النظام الفرنسي آنذاك،
ثم واصلت مسارها الدراسي بالعاصمة المغربية الرباط قبل أن تنتقل إلى فرنسا وتتخصص
في العلوم السياسية بجامعة سربون، لتعود إلى الرباط وتدرس علم الاجتماع بجامعة
محمد الخامس.
كان البيت الذي ولدت فيه فاطمة المرنيسي في المدينة العتيقة
لفاس، مقابلاً لجامعة القرويين التي تعتبر أقدم جامعة في العالم، وساهم هذا المحيط
الاجتماعي في الميول الفكري المبكر لديها، إذ كانت هذه الجامعة -كما روت- تتوفر
على 17 بوابة، وهو ما كان يسمح لجميع الفئات الاجتماعية بالولوج إلى رحاب الجامعة
وحضور الجلسات العلمية.
خلفت المفكرة المرنيسي أكثر من 15 مؤلفاً ترجم بعضها إلى
عشرات اللغات، ومنها: "الحريم السياسي.. النبي والنساء"، "الجنس
كهندسة اجتماعية. هل أنتم محصنون ضد الحريم؟ الجنس والأيديولوجيا والإسلام"،
"الإسلام والديمقراطية"، "شهرزاد ترحل إلى الغرب"،
"أحلام الحريم. نساء على أجنحة الحلم"؛ ويعتبره الدارسون أقرب إلى
السيرة الذاتية.
وقد نالت في الشطر الأخير من حياتها اعترافات عدة، منها فوزها
بجائزة "أستورياس الإسبانية" للأدب سنة 2003، ثم جائزة "إيراسموس
الهولندية" عام 2004، لتصنفها صحيفة الغارديان البريطانية سنة 2011، ضمن مئة
امرأة الأكثر تأثيراً في العالم.
الحركة النسوية في فكر المرنيسي
وركزت معظم إسهامات فاطمة على مقاربة التأطير الديني لمكانة
المرأة ووظيفتها، إما من خلال التناول المباشر للنصوص الإسلامية، أو من خلال نقد
الأدبيات الفقهية ذات الدور الحاسم في إنتاج القوانين الوضعية وتكريس الأطر
الاجتماعية المحددة لوضعية المرأة العربية المسلمة، ومضت أحيانا إلى القول بوجود
فجوة بين النص الديني الذي رأت فيه إطاراً متقدماً لحرية المرأة، وبين الواقع
التاريخي الذي اتخذ منحى تراجعيا في عصور ما بعد النبوة.
وتفسر تدني الوضع الاقتصادي للمرأة، إلى التقسيم الذي يخضع له
المجتمع بين فضاءين، عام وخاص، وتخصيص الجزء العام للرجال، بينما ينحصر دور المرأة
في المجال الخاص.
وفي معرض تطرقها للشق السياسي، سجلت المرنيسي كيف أن التطور
الحديث للمجتمعات الإسلامية وانفتاح بعضها على النظم الديمقراطية، لم يمنع من غياب
دور الحركة النسائية في القضايا السياسية الكبيرة؛ وحيد صوتها عن طاولة صنع القرار
في العديد من المواقف التي تتعلق بالمنطقة وأزماتها وتحولاتها.
وترى المرنيسي في كتاباتها أن الحركة النسوية لم تتراجع، بقدر
أنه ومع تعدد الأهداف والمواضيع والأولويات على الساحة، أصبح هناك تشتت للخطاب
النسوي، فكل مجموعة لديها دوافعها وأهدافها والتي تعاكس دوافع وأهداف مجموعات
أخرى. وما نشهده هو جهود مشتتة منفصلة وموسمية للارتقاء بوضع المرأة، رغم وجود
تطور ملحوظ في تواجد المرأة في سوق العمل والسياسة، نتيجة ظروف مواتية فردية تتعلق
بشخص المرأة أو عائلتها أو الجهة الداعمة لها.
وبنظرها، فإن الأجيال القادمة من النساء عليهن أن يدافعن عن
حقوقهن وإعادة بناء حركة نسوية جديدة تكمل مسيرات نضالاتها وإنجازات التاريخية، من
خلال الانخراط في العمل العام واستخدام خطاب يلائم السياق الاجتماعي والسياسي الذي
نعيشه هنا.
العبور إلى أحلام النساء
ارتكزت بعض مؤلفات المرنيسي على دراسات ميدانية. استندت في
كتابيها "المغرب عبر نسائه" و"صور نسائية" على مقابلات حية
أجرتها مع نساء قرويات وعاملات، واهتمت خصيصاً بالنساء البدويات، فقد "وجدت
أن مصيرهن كبدويات أميات أفظع بكثير من مصير امرأة منحدرة من مدينة برجوازية. و"في
كل الاستجوابات التي قمت بها معهنّ، كن يقلن لي بأن الإنسان الأمي لا حياة له
وبأننا في عداد الأموات... إنهن يعشن حياتهن وكأنهن غير موجودات"، وفقاً
للمرنيسي.
لم تقصد المرنيسي أمية القراءة والكتابة فحسب، بل تحدثت عن
أمية الوعي المعرفي والفكري للمرأة. تقول في "أحلام النساء الحريم":
"شخصٌ وحيدٌ تكمن القدرة فيه لقلب موازين المواقع، لجعل الأرض تدور عكس ذلك
الاتجاه، ذاك الشخص هو أنتن"، فهي ترى أن "الهدف الأقصى من حياة المرأة
هو السعادة، ولذلك لا تضيعي وقتاً في البحث عن أسوار لكي ترتطمي بها".
قرأت المرنيسي التراث العربي الإسلامي مُستخدمة آليات النقد
من التراث، بحثاً في كتابات المؤرخين القدامى، واقتربت من النص الديني عبر سلطة
التأويل، وفي تعاملها مع النص التراثي كشبكة من علاقات معرفية وسلطوية، إذ عملت
على إخضاع النص التراثي لعملية تشريحية دقيقة وعميقة تحوله بالفعل إلى مادة
للقراءة، فمزجت بين المعالجة البنيوية والتحليل التاريخي للنص التراثي".
فيما قادت المرنيسي معركتها شرقاً وغرباً، وبإسهاماتها
الفكرية شاركت في تصحيح تصورات الغرب عن المرأة العربية التي وصلت إليه أخبارها من
خلال لوحات المستشرقين. فلم تتحدث عن "حريم" شرقي فحسب، بل انتقدت
"حريم الغرب" وفقاً للمنهجية التحليلية الغربية ذاتها، وأكدت أن الحريم
هو ذلك الإرث المشترك بين الشرق والغرب.
بصفة مجملة، يمكن القول إن مؤلفات فاطمة المرنيسي وآرائها
ساهمت بفاعلية في تشكيل وعي أكثر من جيل من النساء في البلاد العربية وفي توجيه
عمل النسويات والحركات النسوية ونضالهن.
أغمضت المرنيسي عينيها في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 مغادرة
مسرح الحياة، تاركة وراءها إرثاً وفكراً سيحفران اسمها كإحدى أبرز علماء وعالمات
الاجتماع في المغرب والمنطقة العربية على مدى أجيال قادمة، فمؤلفاتها وعملها
النضالي يمثلان مرجعاً ثابتاً من مراجع كل النسويات العربيات حتى وإن اختلف بعضهن
جزئياً عنها في بعض الأطروحات والمواقف.
















