الاردن: مخالفات السير تزداد والطرق تتآكل فأيهما يخدم المواطن حقا؟
د. بسام روبين
لم تعد أزمة المرور في الأردن أزمة سلوك فردي أو
ضعف إلتزام، كما تحاول بعض الجهات الرسمية تبسيطها وتسويقها للرأي العام ، فالمشهد
المروري اليوم يكشف بوضوح أن الدولة إتجهت نحو الحل الأسهل والأسرع بتكثيف
المخالفات، ورفع قيم الغرامات،ناهيك عن توسيع رقعة الكاميرات، وزيادة نشاط
المباحث المرورية والمتعاونين، وصولا إلى إعتماد مخالفات تحرر دون يمين ، وتضييق
حق الإعتراض إلى حد يكاد يفرغ مبدأ الطعن من مضمونه، بإعتبار هذه الأدوات الأقل
كلفة والأكثر عائدا.
لكن السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز عنه وهو هل
أسهم هذا النهج فعلا في خفض أعداد الحوادث؟ أم أنه إكتفى بزيادة الضغط على
المواطن، دون أن يلمس الطريق أي تحسن يذكر؟
والمراقب لحركة السير في الأردن، لا سيما داخل
العاصمة وعلى الطرق الإلتفافية والرئيسية، يدرك أن جذر المشكلة لا يكمن في قلة
الردع، بل في رداءة البنية التحتية فهناك طرق متهالكة، وصيانة متقطعة، وخطوط
مرورية مطموسة، ناهيك عن إشارات باهتة، وتعليمات سير متآكلة داخل بعض الأنفاق وعلى
الجسور، وهنالك شواخص مرورية لا تخدم المواطن ولا تنسجم مع واقع الحركة المرورية.
فكيف يطالب السائق بالإلتزام بخط سير غير موجود
أصلا، أو يجبر على مسارات تستنزف وقته وترفع فاتورة طاقته؟ وكيف يحاسب على تجاوزات
كان الطريق سببها لا النية؟ وكيف يطلب من المواطن الثقة بأنظمة ذكاء إصطناعي، في
وقت ما زال هامش الخطأ فيها قائما، والمراجعة البشرية شبه غائبة؟
ولعل من المفارقات التي لا تنسى أن بعض القيادات
الأمنية السابقة، رحمهم الله، رفضت إدخال تطبيقات ذكية بعينها عندما تبين وجود نسب
خطأ فيها، وفضلت تعديل التشريعات حماية للمواطن قبل تطبيق التقنية.
لقد أصبحت كاميرات السرعة أكثر نشاطا من فرق
الصيانة، وأضحى حضور المباحث المرورية والمتعاونين أسرع من حضور فرق معالجة الحفر
والإنهيارات ، وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة وهي ان الدولة تركز أكثر على
معاقبة السائق، لكنها لا تستثمر بما يكفي في حمايته.
وعند مراجعة لائحة المخالفات، نجد أن قيم الغرامات
باتت تشكل عبئا حقيقيا على الطبقة الوسطى وما دونها، في حين يمكن تجنب كثير من هذه
المخالفات لو كانت الطرق والخطط والبرمجيات المرورية بحالة لائقة،
فهل من العدل أن يدفع المواطن ثمن أخطاء لم
يرتكبها، أو أُجبر عليها بفعل واقع مروري مختل؟
فأي دولة جادة في خفض الحوادث تبدأ من الأساس
بطريق آمن، وخطوط واضحة، إنارة فعالة، صيانة دورية، أنفاق وجسور معلمة بدقة،
وإشارات مرورية تصمم وفق واقع يخدم المواطن لا وفق مخططات ورقية معزولة عن
الميدان.
وبعد ذلك فقط، تأتي المخالفات كأداة ردع مكملة، لا
كبديل عن مسؤولية الحكومة.
والمطلوب اليوم سرعه إعادة ترتيب الأولويات.
فالكاميرات لا تصلح طريقا، والغرامات لا تمنع إنزلاق مركبة على خط محته الشمس
والمطر ، إن الإستثمار الحقيقي بالطرق والبنية التحتية، إلى جانب خطط مرورية
حديثة ومرنة، يضمن سلامة السائق أولا، ويحسن السلوك المروري لاحقا.
وختاما لا أحد ينكر حاجة المواطن إلى ردع قانوني،
لكنه يحتاج قبل ذلك إلى طريق آمن وخطط مرورية عادلة ، وما دام الخلل في بعض
الطرقات والسياسات مستمرا، ستبقى المخالفات في نظر الناس مصدرا للجباية لا أداة
للسلامة، ولن تحقق أثرا حقيقيا في الحد من الحوادث.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة وسريعة
للتشريعات المرورية، تشمل إعادة النظر في آليات الضبط، وقيم الغرامات، وتوازنها مع
مستوى الدخل، بما يحقق العدالة الإجتماعية، وينصف القانون، ويحمي المواطن معا.
حفظ الله الأردن.
عميد اردني متقاعد















