شريط الأخبار
الاحتلال يرفض طلبا اردنيا فلسطينيا بتمديد عمل جسر الملك حسين دولار واحد لاغتيال الذاكرة الفلسطينية: السفارة الأمريكية تُقام فوق أرض اللاجئين في القدس الثقة.. رأس مال الدولة ليلة ثانية من التصعيد وتبادل القصف بين امريكا وايران.. واستمرار المفاوضات على كفت عفريت القاضي: تحقيق مصالح الوطن والمواطنين غايتنا لدى مناقشة القوانين المنطقة العسكرية الشمالية تُحبط محاولة تسلل على إحدى واجهاتها الحدودية ترامب يعود لتخفيف لهجته ضد طهران: لا صراع شاملا مع ايراني سيندلع تعقيدات" في المفاوضات بين بيروت وتل أبيب: المطلب الذي يقلق إسرائيل الخضير يكشف خطة جديدة لتطوير تجربة زوار مهرجان جرش ترامب: سأرفع سوريا من قائمة الإرهاب.. ودمشق يمكن ان تساعدنا بملف حزب الله ألمانيا.. السجن المؤبد لطبيب أدين بقتل 15 مريضا ولي العهد نائبا للملك إعادة أطفال الى غزة بعد استكمال علاجهم في الاردن مجلس "الصحفيين": عراقيل من الصحف الكبرى وتهرب من الالتزام برفع علاوة المهنة الروابدة: 1700 ممرض وممرضة تقدموا لفرص عمل في إيطاليا ترامب يهاجم ايران ويعتبر مذكرة التفاهم معها قد انتهت عيادة الأطراف الصناعية في المستشفى الميداني الأردني جنوب غزة/10 تواصل أعمالها النائب المشاقبة يؤجه سؤالا نيابيا حول علاقة وزير المياه بشركة خاصة الأمانة و"زين الأردن" تجددان اتفاقية الشراكة الاستراتيجية للعام الـ15 القضاء ينتصر لمستثمر "الحديقة السوداء".. ويقضي ببطلان اغلاقها

حين تتحول الدماء إلى حبرٍ

حين تتحول الدماء إلى حبرٍ


كتبت شيرين قسوس

المقاومة في لبنان ليست مجرد استراتيجية عسكرية، بل هي انفجار الكينونة في وجه العدم، والتمرد الأنطولوجي للإنسان الذي يرفض أن يكون هامشاً في كتاب القوى الكبرى. هي ذاك "النور الأسود" الذي يبزغ من رحم المعاناة ليحرق أوهام الطغاة، وعقيدةٌ ضاربة في القِدم، تعود جذورها إلى ألفي عام من الصمود والتعالي على الجراح. إنها الفعل الذي يسبق القول، واليقين الذي يتحدى الشك، حيث تتحول الدماء إلى حبرٍ يكتب حكاية أرضٍ لم تتقن يوماً لغة الانحناء، ولم تعترف يوماً بسلطان الغزاة مهما بلغت سطوتهم.

​حين اندفع جيش الاحتلال في عام 1982، لم يكن يواجه حدوداً جغرافية بل كان يحاول استئصال "جين الرفض" من روح بلدٍ ظنه البعض هشاً كزجاج المرايا، لكن لبنان بتناقضاته الصارخة وانقساماته العميقة أنجب من شقوق الصخور مقاومةً لا تشبه إلا ذاتها، مقاومةً لم تطلب إذناً من موازين القوى الدولية، بل خلقت قانونها الخاص الذي يفرضه الإيمان. لقد تجلى "حزب الله" من قلب هذا الوجع كضرورة تاريخية فرضت معادلةً قلبت السحر على الساحر: أن الاحتلال ليس قدراً بيولوجياً، وأن الهزيمة ليست حتميةً لمن يمتلك إرادة البقاء. لبنان هنا لا يقاوم لأنه يمتلك فائضاً من القوة، بل في مفارقة فلسفية مذهلة، هو يقاوم لأنه يرفض "ماهية" الضعف؛ فالصمود ليس ترفاً عسكرياً بل هو استجابة لنداء داخلي يرفض الانكسار الوجودي.

​هذه المقاومة تحولت في الوعي اللبناني من "خيار سياسي" إلى "عقيدة كينونة"؛ قناعة تتجاوز الحسابات الرقمية الضيقة وتستقر في الجوهر كجزء لا يتجزأ من تعريف الإنسان لنفسه. إنها ليست وليدة صدفة معاصرة، بل هي امتداد لرفضٍ عمره ألفي عام، بدأ منذ أن واجهت هذه الأرض الفيالق الرومانية ولم تنحنِ، لتثبت أن الغزاة يتبدلون والرفض باقٍ كأرزها. اللبناني، الذي يرقص على حافة الهاوية الاقتصادية والسياسية، صهر الألم بالسخرية والتحدي، فهو لا يقدّس المعاناة لذاتها، بل يتخذ منها درعاً ليفاجئ خصمه بقدرة إعجازية على الانبعاث من الرماد.

​وإذا كانت غزة تمثل ذروة الصمود بوصفه "ضرورة بيولوجية" للبقاء في ظل حصارٍ يطبق على الأنفاس، فإن المقاومة في لبنان تظل "فعل هوية" وتجلياً لثقافة الرفض المتراكمة. فبينما تقاوم غزة وهي مختنقة حتى بالصمت العالمي، يقاوم اللبناني وهو يتجادل مع ظله، ينقسم على التفاصيل لكنه يتوحد عند ملامسة الخطر، لأن تلك العقيدة الألفية تنهض من سباتها فوراً لتعلن سيادتها فوق كل الانقسامات. إن جوهر الأمر يكمن في تلك الـ "لا" المقدسة التي تُلقى في وجه من ظن أن الاستسلام قدر؛ لبنان هو ذاك الكيان الذي يتقن التمزيق لكنه لا ينهار، بلدٌ يحمل في أحشائه عناداً متوارثاً جعل من المقاومة إيماناً لا يتزعزع، وتاريخاً نابضاً، وحقيقةً وجودية تقول للعالم: نحن هنا، كنا هنا، وسنبقى هنا ما بقي الزمان.