شريط الأخبار
من الهشاشة إلى المنعة: لا استقرار في المشرق ما دام أصل العطب قائمًا "القدس الدولية": الاحتلال ماض بتهويد وتقسيم الاقصى وعلى الامة التحرك لحمايته الأردن يدين: مصادقة إسرائيل على إقامة 34 مستوطنة جديدة تقويض للحل الدولتين مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل.. وايران وحزب الله يتمسكان بمطلب وقف النار ونتنياهو يصر على الحرب ولي العهد: أهمية البناء على ما حققه تطبيق سند للتوسع بالخدمات الحكومية حين تتحول الدماء إلى حبرٍ عملية مشتركة لمكافحة المخدرات في الأردن وسوريا تحبط تهريب 943 كغم من عجينة الكبتاجون موقف قانوني دولي: قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن إغلاق المقدسات بالقدس تفتقر للشرعية الدولية جهود دبلوماسية لإنقاذ الهدنة وايرن لن تبدأ مفاوضات باكستان قبل وقف العدوان على لبنان الأردني الرمحي ينسحب من نصف نهائي العالم للكيك بوكسينغ رفضًا لمواجهة إسرائيلي العيسوي يلتقي مبادرة القدس في عيون الهاشميين الملك باتصال مع الرئيس عون: الاردن يقف لجانب لبنان "الوطنية الشعبية الاردنية" تدعو لمنظومة عربية امنية اقتادية وطنية فاعلة متحررة من التبعية حرب صعبة تهزّ وجه العالم هارتس: الحرب في إيران هي فشل بحياة نتنياهو.. وهي أسوأ بكثير من أحداث السابع من أكتوبر إفساد الهدنة.. نتنياهو يُسقط لبنان في بحر من الدم لبنان ورقة نتنياهو الأخيرة:بين مأزق الداخل وتعطيل مسار التهدئة الإقليمية وسط تشكيك بصحته العقلية.. ترامب: لم أتظاهر بالجنون لردع إيران التاسع من نيسان كما عشت تفاصيله في بغداد حكومة الاحتلال تقر سرا إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية

حين تتحول الدماء إلى حبرٍ

حين تتحول الدماء إلى حبرٍ


كتبت شيرين قسوس

المقاومة في لبنان ليست مجرد استراتيجية عسكرية، بل هي انفجار الكينونة في وجه العدم، والتمرد الأنطولوجي للإنسان الذي يرفض أن يكون هامشاً في كتاب القوى الكبرى. هي ذاك "النور الأسود" الذي يبزغ من رحم المعاناة ليحرق أوهام الطغاة، وعقيدةٌ ضاربة في القِدم، تعود جذورها إلى ألفي عام من الصمود والتعالي على الجراح. إنها الفعل الذي يسبق القول، واليقين الذي يتحدى الشك، حيث تتحول الدماء إلى حبرٍ يكتب حكاية أرضٍ لم تتقن يوماً لغة الانحناء، ولم تعترف يوماً بسلطان الغزاة مهما بلغت سطوتهم.

​حين اندفع جيش الاحتلال في عام 1982، لم يكن يواجه حدوداً جغرافية بل كان يحاول استئصال "جين الرفض" من روح بلدٍ ظنه البعض هشاً كزجاج المرايا، لكن لبنان بتناقضاته الصارخة وانقساماته العميقة أنجب من شقوق الصخور مقاومةً لا تشبه إلا ذاتها، مقاومةً لم تطلب إذناً من موازين القوى الدولية، بل خلقت قانونها الخاص الذي يفرضه الإيمان. لقد تجلى "حزب الله" من قلب هذا الوجع كضرورة تاريخية فرضت معادلةً قلبت السحر على الساحر: أن الاحتلال ليس قدراً بيولوجياً، وأن الهزيمة ليست حتميةً لمن يمتلك إرادة البقاء. لبنان هنا لا يقاوم لأنه يمتلك فائضاً من القوة، بل في مفارقة فلسفية مذهلة، هو يقاوم لأنه يرفض "ماهية" الضعف؛ فالصمود ليس ترفاً عسكرياً بل هو استجابة لنداء داخلي يرفض الانكسار الوجودي.

​هذه المقاومة تحولت في الوعي اللبناني من "خيار سياسي" إلى "عقيدة كينونة"؛ قناعة تتجاوز الحسابات الرقمية الضيقة وتستقر في الجوهر كجزء لا يتجزأ من تعريف الإنسان لنفسه. إنها ليست وليدة صدفة معاصرة، بل هي امتداد لرفضٍ عمره ألفي عام، بدأ منذ أن واجهت هذه الأرض الفيالق الرومانية ولم تنحنِ، لتثبت أن الغزاة يتبدلون والرفض باقٍ كأرزها. اللبناني، الذي يرقص على حافة الهاوية الاقتصادية والسياسية، صهر الألم بالسخرية والتحدي، فهو لا يقدّس المعاناة لذاتها، بل يتخذ منها درعاً ليفاجئ خصمه بقدرة إعجازية على الانبعاث من الرماد.

​وإذا كانت غزة تمثل ذروة الصمود بوصفه "ضرورة بيولوجية" للبقاء في ظل حصارٍ يطبق على الأنفاس، فإن المقاومة في لبنان تظل "فعل هوية" وتجلياً لثقافة الرفض المتراكمة. فبينما تقاوم غزة وهي مختنقة حتى بالصمت العالمي، يقاوم اللبناني وهو يتجادل مع ظله، ينقسم على التفاصيل لكنه يتوحد عند ملامسة الخطر، لأن تلك العقيدة الألفية تنهض من سباتها فوراً لتعلن سيادتها فوق كل الانقسامات. إن جوهر الأمر يكمن في تلك الـ "لا" المقدسة التي تُلقى في وجه من ظن أن الاستسلام قدر؛ لبنان هو ذاك الكيان الذي يتقن التمزيق لكنه لا ينهار، بلدٌ يحمل في أحشائه عناداً متوارثاً جعل من المقاومة إيماناً لا يتزعزع، وتاريخاً نابضاً، وحقيقةً وجودية تقول للعالم: نحن هنا، كنا هنا، وسنبقى هنا ما بقي الزمان.