دولار واحد لاغتيال الذاكرة الفلسطينية: السفارة الأمريكية تُقام فوق أرض اللاجئين في القدس
كتب: جودت مناع
في واحدة من أكثر الوقائع تعبيراً عن اختلال موازين العدالة
في فلسطين، وقّع السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، مؤخراً اتفاقية تخصيص
أرض فلسطينية في القدس المحتلة لإقامة مجمع السفارة الأمريكية الدائم، مقابل دولار
واحد فقط دفعه لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. وقد يبدو الرقم رمزياً
للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يلخص مأساة سياسية وأخلاقية عمرها أكثر من سبعة
عقود؛ فالدولار الواحد لم يكن ثمناً للأرض، بل إعلاناً صارخاً عن الاستخفاف بحقوق
أصحابها الشرعيين.
هذه الأرض، المعروفة باسم "مجمع ألنبي" في حي
البقعة، ليست أرضاً بلا مالك، وليست عقاراً متنازعاً على هويته. إنها ملكية
فلسطينية خاصة تعود لعشرات العائلات المقدسية التي هجّرت قسراً خلال نكبة عام 1948،
ومن بينها عائلات الحسيني والعفيفي وأبو السعود وترجمان والدجاني والخليلي وغيرها.
وما زالت أسماء أصحابها ووثائق ملكيتها محفوظة في السجلات الرسمية والتاريخية، بما
يؤكد أن الحق القانوني لم يُمحَ رغم مرور الزمن وتعاقب السلطات.
إن أخطر ما في هذه الخطوة أنها تحاول تحويل واقعة السلب
التاريخي إلى أمر واقع دائم، عبر إقامة منشأة دبلوماسية أمريكية فوق أرض تعود
ملكيتها للاجئين فلسطينيين. فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة حق التصرف بأملاك
خاصة تقع في أرض محتلة، كما أن حقوق الملكية الفردية وحق اللاجئين في استعادة ممتلكاتهم
أو التعويض عنها تظل حقوقاً قائمة لا تسقط بالتقادم ولا تُلغى بالقوة.
وإذا كانت إسرائيل قد اعتادت مصادرة الأراضي الفلسطينية
وتوسيع المشروع الاستيطاني، فإن الولايات المتحدة تبدو اليوم شريكاً مباشراً في
هذا المسار، لا مجرد داعم سياسي له. فالسفارة التي يُراد تقديمها باعتبارها رمزاً
للسيادة الأمريكية تتحول، في نظر أصحاب الأرض، إلى مشروع استيطاني جديد يقوم فوق
حقوق مسلوبة ووثائق ملكية ما زالت حية.
كما لا يمكن إعفاء بريطانيا من جانب من المسؤولية التاريخية،
إذ استُخدمت الأرض خلال فترة الانتداب البريطاني كثكنات عسكرية، قبل أن تنتقل لاحقاً
إلى دائرة الصراع على الملكية بعد النكبة. ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على
الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول المعنية
بحماية القانون الدولي.
إن القضية ليست ثلاثين دونماً في القدس فحسب، بل اختبار حقيقي
لقيمة العدالة الدولية. فحين تُباع أرض اللاجئين بدولار واحد، لا يكون الثمن بخساً
للأرض فقط، بل لحقوق شعب كامل وتاريخه وذاكرته الوطنية. ويبقى السؤال: هل يستطيع
أصحاب الأرض تحويل وثائقهم وحقوقهم الثابتة إلى معركة قانونية وسياسية توقف هذا
المشروع، أم أن العالم سيكتفي مرة أخرى بمشاهدة فصل جديد من فصول مصادرة فلسطين؟

























