أين يقف الأردن من الليبرالية الحديثة — وماذا يجب أن يفعل؟
بقلم: م. نبيل إبراهيم
حدّاد
تقوم الليبرالية
الحديثة على فكرة بسيطة ولكنها مهمة: أن يكون الإنسان حراً، ولكن الحرية لا تصبح
ذات معنى حقيقي إلا عندما تتوفر للمواطنين فرص عادلة، وحماية أساسية، وتعليم،
وخدمات صحية، وفرص اقتصادية، وحقوق قانونية. فهي تؤيد حرية الفرد، والحكم
الدستوري، والحقوق المدنية، واقتصاد السوق المنظّم، ودور الدولة في الحد من الظلم
الاجتماعي والاقتصادي دون أن تسيطر بالكامل على المجتمع.
وعند النظر إلى الأردن
من خلال هذا المفهوم، يمكن القول إنه يمتلك بعض ملامح الليبرالية الحديثة، لكنه
ليس دولة ليبرالية حديثة كاملة بالمعنى الديمقراطي الغربي. والأدق أن يُفهم الأردن
كدولة لديها ممارسات ليبرالية انتقائية، واقتصاد مختلط، وثقافة اجتماعية محافظة
معتدلة، ونهج حكومي قوي يميل إلى الاعتبارات الأمنية والاستقرار.
سياسياً، يمتلك الأردن
العديد من الهياكل الليبرالية الرسمية. فهناك دستور، وبرلمان، وانتخابات، ومحاكم،
وأحزاب سياسية، ومؤسسات مدنية، واعتراف قانوني بالحقوق العامة. وهذه كلها عناصر
مهمة في بنية الدولة الحديثة. غير أن الممارسة الحكومية الفعلية تُظهر أن السلطة
السياسية ما زالت مركزية بدرجة عالية، وأن القرارات الكبرى غالباً ما تُدار من
خلال السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية أكثر مما تُدار من خلال منافسة حزبية
واسعة. فالمشاركة السياسية موجودة، لكنها تعمل ضمن حدود مضبوطة. كما أن النقاش
العام مسموح به، لكنه يتحرك داخل خطوط حمراء تتعلق بالأمن الوطني، والدين،
والسياسة الخارجية، والاستقرار الاجتماعي، والنظام العام. ولذلك يمكن وصف الأردن
سياسياً بأنه ليبرالي جزئياً، وليس ديمقراطية ليبرالية كاملة.
أما في مجال الحريات
المدنية، فيقف الأردن أيضاً في منطقة وسطى. فالمواطنون يتمتعون بدرجة من حرية
التعبير، والعمل المدني، والنشاط الإعلامي، والمشاركة العامة. وفي المقابل، قد
تواجه حرية الرأي، والاحتجاج، والتنظيم السياسي، والتعبير عبر الإنترنت قيوداً
عندما ترى الحكومة أن هذه الممارسات حساسة أو مهددة للاستقرار. ويعكس ذلك محاولة
الأردن المستمرة لتحقيق توازن بين الانفتاح والأمن، خاصة في منطقة محاطة بالحروب،
وحركات اللجوء، والضغوط الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية.
اقتصادياً، يقترب
الأردن أكثر من الليبرالية الحديثة. فهو يدعم عموماً القطاع الخاص، والاستثمار
الأجنبي، والبنوك، والتجارة، والخدمات، والتعليم، والسياحة، وريادة الأعمال. كما
أنه لا يتبع اقتصاداً اشتراكياً مركزياً موجهاً بالكامل. وفي الوقت نفسه، تبقى
الحكومة حاضرة بقوة من خلال التوظيف العام، والتنظيم، والدعم، والمساعدات
الاجتماعية، والبنية التحتية، وخطط التنمية. وهذا يجعل الأردن أقرب إلى نموذج
الاقتصاد المختلط، وهو نموذج منسجم مع الفكر الليبرالي الحديث. غير أن البطالة،
والدين العام، وضعف الإنتاجية، ومحدودية العمق الصناعي، وانخفاض مشاركة المرأة في
سوق العمل، كلها عوامل تحد من الحرية الاقتصادية الفعلية لكثير من المواطنين.
اجتماعياً، لا يمكن وصف
الأردن بأنه ليبرالي بالمعنى الأوروبي أو الأمريكي الشمالي للكلمة. فهو ما زال
مجتمعاً محافظاً في قضايا قانون الأسرة، والتقاليد الاجتماعية، وأدوار الجنسين،
والأخلاق العامة، وتوقعات المجتمع. لكنه في الوقت نفسه ليس مجتمعاً مغلقاً أو
جامداً. فالمرأة حاضرة في التعليم، والمهن، والأعمال، والبرلمان، والإدارة العامة،
والمجتمع المدني. كما أن الجماعات الدينية والاجتماعية المختلفة تتعايش عموماً ضمن
هوية وطنية أوسع. ولذلك يمكن وصف موقع الأردن الاجتماعي بأنه محافظ معتدل مع
انفتاحات ليبرالية انتقائية.
أما في مجال الرعاية
والخدمات العامة، فإن الأردن يسير في اتجاه متوافق مع الليبرالية الحديثة.
فالحكومة توفر التعليم العام، والخدمات الصحية العامة، والضمان الاجتماعي، والدعم،
والمساعدات الاجتماعية. وتعكس هذه السياسات قناعة بأن على الدولة مسؤولية في
مساعدة المواطنين على العيش بكرامة والوصول إلى الفرص. غير أن نقطة الضعف الرئيسية
لا تكمن في غياب فكرة المسؤولية الاجتماعية، بل في محدودية القدرة المالية للدولة،
والضغوط الناتجة عن البطالة، والنمو السكاني، واللجوء، والدين العام، وعدم
الاستقرار الإقليمي.
لذلك فإن علاقة الأردن
بالليبرالية الحديثة علاقة معقدة. فلا يمكن وصفه بأنه ليبرالي بالكامل، ولا محافظ
بالكامل، ولا سلطوي بالكامل. بل يقف بين هذه التصنيفات. فنظامه الدستوري والإداري
يتضمن عناصر ليبرالية، واقتصاده يسير وفق نهج السوق المنظّم، ومجتمعه يبقى معتدلاً
ومحافظاً، ونظامه السياسي يسمح بالمشاركة ولكن ضمن حدود تديرها الدولة.
والخلاصة الأكثر دقة هي
أن الأردن يمارس ليبرالية جزئية ومضبوطة. فهو يقبل باقتصاد السوق المختلط، ويحافظ
على سياسات الحماية الاجتماعية، ويفتح المجال أمام الإصلاح التدريجي، ويعترف
رسمياً بالحقوق المدنية والسياسية. لكنه في الممارسة الحكومية اليومية يحافظ أيضاً
على حدود واضحة تجاه المعارضة السياسية، وحرية الإعلام، والاحتجاج، وأشكال التعبير
المرتبطة بالأمن أو الاستقرار.
ولكن السؤال الرئيسي
ليس فقط أين يقف الأردن اليوم، بل ما الذي يجب أن يفعله الأردن بعد ذلك؟
لا يحتاج الأردن إلى
قفزة سياسية مفاجئة أو إلى نموذج أيديولوجي مستورد. بل يحتاج إلى مسار إصلاحي
متدرج يوسع المشاركة، ويعزز الثقة، ويحسن الإنتاجية الاقتصادية، ويمنع تحوّل
الاستقرار إلى مبرر للجمود الإداري. ويجب أن تكون الأولوية للتحديث العملي، لا
للشعارات.
أولاً، يجب على الأردن
أن يحوّل خطط الإصلاح إلى نتائج قابلة للقياس. فالدولة لديها بالفعل مسارات تحديث
في الاقتصاد، والإدارة العامة، والحياة السياسية. لكن التحدي لا يكمن في غياب
الخطط، بل في ضعف التنفيذ والمتابعة. لذلك يجب على الحكومة أن تنشر تقارير دورية واضحة
تُظهر عدد الوظائف التي تم خلقها فعلياً في القطاع الخاص، وحجم الاستثمارات
المنفذة لا المعلنة فقط، ومدة إنجاز الخدمات العامة، ومؤشرات تشغيل الشباب
والنساء، ونمو الصادرات حسب القطاعات، ونتائج الربط بين التعليم وسوق العمل، وعدد
إجراءات الإصلاح التي أُنجزت مقارنة بتلك التي تأخرت. فالليبرالية الحديثة لا
تتعلق بالحقوق فقط، بل أيضاً بوجود مؤسسات موثوقة قادرة على الإنجاز.
ثانياً، يجب جعل
الحكومة أكثر مساءلة وأقل بيروقراطية. فلا يجوز أن يواجه المواطنون والمستثمرون
إجراءات غير واضحة، وموافقات متكررة، واجتهادات شخصية، وتأخيرات إدارية. يجب أن
تعمل كل وزارة ومؤسسة عامة وفق معايير خدمة محددة، وسقوف زمنية واضحة، وتتبع رقمي،
وآليات اعتراض، ومؤشرات أداء. فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوانين التي
تصدرها، بل بعدالة تطبيقها واتساقه وكفاءته.
ثالثاً، يجب توسيع
المشاركة السياسية تدريجياً وبجدية. ينبغي أن تتحول الأحزاب السياسية إلى أحزاب
برامجية لا تقوم على الأشخاص أو المناطق أو الخدمات أو الاعتبارات الاجتماعية
الضيقة. ويجب أن تقدم الأحزاب برامج جدية حول التشغيل، والتعليم، والضرائب، والدين
العام، والمياه، والطاقة، والاستثمار، والتنمية المحلية. وفي الوقت نفسه، يجب
حماية المشاركة السياسية السلمية. فالدولة تصبح أقوى، لا أضعف، عندما يستطيع
المواطنون الاختلاف ضمن حدود قانونية واضحة ودون خوف من معاملتهم كخصوم أو أعداء.
رابعاً، يجب حماية
الحريات المدنية مع الحفاظ على النظام العام. فالنظام العام مهم، ولكن الإفراط في
تقييد حرية الرأي والإعلام والتجمع والتعبير عبر الإنترنت يضعف الثقة بين المواطن
والحكومة. وينبغي أن تميز الدولة بوضوح بين النقد المشروع، الذي يجب حمايته؛ وبين
التشهير والتحريض، اللذين يجب التعامل معهما بالقانون؛ وبين التهديدات الأمنية
الحقيقية، التي يجب معالجتها من خلال إجراءات قانونية شفافة. فعندما يُعامل كل رأي
صعب باعتباره قضية أمنية، يصبح المجتمع متردداً، وتتراجع الإبداعية، ويتوقف
المواطنون عن المشاركة الصادقة في الحياة العامة.
خامساً، يجب التعامل مع
البطالة باعتبارها الخطر الوطني المركزي. فالبطالة ليست مجرد رقم اقتصادي، بل خطر
اجتماعي وسياسي وأمني. وعلى الأردن أن يركز على القطاعات القادرة على خلق وظائف
حقيقية ومستدامة، مثل الصناعة، والصناعات التصديرية، وتصنيع الأغذية، والتكنولوجيا
الزراعية، والخدمات الرقمية، والتعهيد، والسياحة خارج إطار الفنادق التقليدية،
واللوجستيات، والتجارة الإقليمية، والعمل المهني والتقني، والطاقة المتجددة،
وصناعات كفاءة المياه، وتقنيات البناء، والتصنيع المسبق. ويجب أن ينتقل الأردن من
مجتمع يسعى إلى الشهادات فقط إلى مجتمع ينتج المهارات.
سادساً، يجب تقوية
الطبقة الوسطى. فالدول الحديثة تعتمد على طبقة وسطى مستقرة قادرة على العمل،
والاستهلاك، وتعليم أبنائها، ودفع الضرائب، والمشاركة في الحياة الوطنية. وفي
الأردن، تتعرض الطبقة الوسطى لضغوط كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، والضرائب،
ومصاريف التعليم، وتكاليف السكن، والنقل، ومحدودية نمو الدخل. ودعم الطبقة الوسطى
من خلال نقل عام أفضل، وتمويل سكني ميسر، ومدارس عامة أقوى، وتغطية صحية عملية،
ونظام ضريبي أكثر عدالة، ليس عملاً خيرياً، بل هو حماية للاستقرار الوطني.
سابعاً، يجب أن يخدم
التعليم الاقتصاد. فالأردن يملك عدداً كبيراً من المتعلمين، لكن العلاقة بين
التعليم والتشغيل ما زالت ضعيفة. يجب أن تعزز المدارس والجامعات المهارات الفنية،
واللغة الإنجليزية، والمهارات الرقمية، والتواصل، والانضباط، وحل المشكلات،
والتدريب التطبيقي، وأخلاقيات العمل. ويجب ألا تُقاس الجامعات فقط بعدد الطلبة
والشهادات، بل أيضاً بقدرة خريجيها على العمل والمساهمة في الإنتاجية الوطنية.
ثامناً، يجب تحسين
مشاركة المرأة الاقتصادية دون خلق مواجهة ثقافية غير ضرورية. فبطالة النساء ما
زالت مرتفعة رغم حضور المرأة الواسع في التعليم والتأهيل المهني. ولا يمكن حل ذلك
بالخطب فقط. بل يحتاج الأمر إلى نقل آمن، وعمل مرن، ودعم رعاية الأطفال، وتطبيق
قوانين منع التمييز، وتوسيع فرص العمل عن بُعد، وربط أقوى بين تعليم المرأة وسوق
العمل. ويمكن للأردن أن يزيد مشاركة المرأة الاقتصادية بطريقة متوازنة ثقافياً من
خلال التركيز على الكرامة، واستقرار الأسرة، ودعم الدخل، والإنتاجية الوطنية.
تاسعاً، يجب بناء الثقة
من خلال سيادة القانون. فالمستثمرون، والمواطنون، والصحفيون، والناشطون السياسيون،
وأصحاب الأعمال، والشباب، جميعهم يحتاجون إلى الشعور بأن القواعد واضحة، ومتوقعة،
وغير انتقائية. إن سيادة القانون ليست شعاراً، بل هي أساس الممارسة الليبرالية
الحديثة. وهي أيضاً أساس الاستثمار، والسلم الاجتماعي، وثقة المواطن.
وأخيراً، يجب على
الأردن أن يحافظ على الاستقرار، لكن دون السماح للاستقرار بأن يجمّد الإصلاح.
فالأردن يعيش في منطقة صعبة، والاعتبارات الأمنية حقيقية. لكن الاستقرار طويل
الأمد لا يمكن أن يقوم على الضبط وحده. بل يجب أن يقوم على الثقة، والفرص،
والعدالة، وكفاءة المؤسسات، ومشاركة المواطنين. فالأمن يحمي الدولة، ولكن الإصلاح
يقوّي الدولة.
ولا ينبغي للأردن أن
يحاول أن يكون نسخة عن دولة أخرى. بل عليه أن يبني نموذجاً أردنياً للإصلاح
الليبرالي الحديث: متدرجاً سياسياً، ومتوازناً اجتماعياً، ومنتجاً اقتصادياً،
وخاضعاً للمساءلة إدارياً، وعادلاً قانونياً.
وباختصار، فإن الأردن
ليبرالي حديث في بعض الجوانب الاقتصادية والإدارية، وليبرالي جزئياً في الجوانب الدستورية
والحقوق المدنية، ومحافظ معتدل اجتماعياً، ويميل في ممارسته الحكومية إلى أولوية
الأمن والاستقرار. أما اتجاهه المستقبلي فسيتوقف على قدرته على توسيع المشاركة،
وحماية الحريات المدنية، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين الفرص الاقتصادية،
والمحافظة على الاستقرار دون أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى حاجز دائم أمام
الإصلاح.
ويجب أن يكون الاتجاه
الوطني العملي واضحاً: مزيد من سيادة القانون وبيروقراطية أقل؛ مزيد من الفرص
واعتماد أقل على الدولة؛ مزيد من المشاركة وخوف أقل؛ مزيد من الأداء وشعارات أقل؛
ومزيد من الثقة بين المواطن والحكومة. هذا هو الطريق نحو أردن مستقر، واثق، وحديث،
يحمي المجتمع، وفي الوقت نفسه يثق بمواطنيه لكي يفكروا، ويعملوا، وينتقدوا،
ويبتكروا، ويشاركوا في صناعة المستقبل.
























