الإرهاب بين الحقيقة والدعاية السياسية
بقلم: جودت مناع *
يقترن مصطلح "الإرهاب”
منذ عقود طويلة بحالة واسعة من الجدل السياسي والقانوني والأخلاقي، خصوصًا في
مناطق النزاعات والحروب. ولم يعد هذا المصطلح حكرًا على الجماعات المسلحة
والتنظيمات غير النظامية، بل توسّع استخدامه ليشمل عمليات عسكرية تنفذها دول تمتلك
جيوشًا نظامية ومؤسسات رسمية، الأمر الذي جعل تعريف الإرهاب خاضعًا في كثير من
الأحيان لموازين القوة والنفوذ، لا لمعايير العدالة والقانون الدولي.
لقد اختلفت وجهات النظر
حول مفهوم الإرهاب وحدوده، وأصبح المصطلح أداة مركزية في الدعاية السياسية
والإعلامية، تستخدمه القوى الكبرى والدول المتصارعة لتبرير حروبها وتصفية خصومها.
وفي كثير من الأحيان، لم يقتصر الاتهام بالإرهاب على جماعات مسلحة، بل امتد ليطال
حركات تحرر وطني وحكومات شرعية وشعوبًا تقاوم الاحتلال والدفاع عن وجودها.
هذا الاضطراب في تفسير
المفهوم يعكس بوضوح أهداف القوى المتحاربة ومصالحها، إذ غالبًا ما تتحكم القوة في
تحديد من هو "الإرهابي” ومن هو "الضحية”. وعبر التاريخ، لم تكن الحروب يومًا بعيدة
عن منطق القوة والطمع، فحين تتوفر القوة تنطلق الأطماع، وحين تغيب العدالة يصبح
الإعلام سلاحًا لا يقل خطورة عن المدافع والطائرات.
وفي هذا السياق، جاء
الانزعاج الإسرائيلي من فوز عدد من الشخصيات الفلسطينية المناضلة، مثل مروان البرغوثي
وزكريا الزبيدي، وتيسير البرديني في انتخابات المجلس المركزي لحركة "فتح”، لتسارع
إسرائيل إلى وصفهم بـ”الإرهابيين”، في محاولة متكررة لتشويه رموز النضال الفلسطيني
أمام الرأي العام العالمي.
صحيح أن للإرهاب ضحايا،
لكن ضحايا التضليل الإعلامي والدعاية السياسية قد يكونون أكثر عددًا وأشد معاناة.
فالقوة المفرطة التي تُمارس بحق الشعوب تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب” كثيرًا ما
تتحول إلى حروب شاملة وجرائم جماعية، تُرتكب باسم الأمن والدفاع عن النفس.
لقد نجحت إسرائيل، على
مدى سنوات طويلة، في تسويق روايتها للعالم، مدعية أن كل مقاومة فلسطينية هي عمل
"إرهابي”، متجاهلة حقيقة الاحتلال وأسبابه، ومتناسية أن المشروع الصهيوني نفسه قام
على جماعات مسلحة مارست القتل والتهجير والترويع خلال نكبة عام 1948، حين دُمّرت
مئات القرى الفلسطينية، وهُجّر أكثر من مليون فلسطيني من أرضهم ومنازلهم، في واحدة
من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
ومنذ ذلك التاريخ، لم
تتوقف معاناة الشعب الفلسطيني، بل استمرت الحروب والاعتداءات والاستيطان والحصار،
وصولًا إلى الحرب المدمرة على قطاع غزة، وما يرافقها من عمليات قتل وتجويع وتهجير،
إلى جانب اعتداءات المستوطنين الإرهابية في الضفة الغربية، في مشهد يعكس بوضوح طبيعة
المشروع الاستعماري الذي يسعى إلى فرض واقع بالقوة، مستندًا إلى روايات دينية
وسياسية لتبرير الانتهاكات.
اليوم، تشهد القضية
الفلسطينية تحولًا مهمًا في الرأي العام العالمي، رسميًا وشعبيًا، مع تزايد
الأصوات التي تدين الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة
الفلسطينية، وتصف السياسات الإسرائيلية بأنها تمثل إرهاب دولة منظمًا. كما أن صدور
مذكرات اعتقال دولية بحق شخصيات إسرائيلية بارزة بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد
الإنسانية، يعكس بداية تغير في الموقف الدولي تجاه ما يجري في فلسطين.
وبين ماضٍ عاش فيه
العالم تحت تأثير الدعاية الإسرائيلية، وحاضرٍ يشهد أبشع صور القتل والدمار بحق
شعب أعزل، يواصل الفلسطينيون التمسك بحقهم في الحرية والكرامة والوجود. ويبقى
أبناء فلسطين، رغم السجون والحصار والدماء، عنوانًا للصمود والإرادة الوطنية، في
مواجهة مشروع يقوم على القوة، بينما تستند قضيتهم إلى حق تاريخي وإنساني لا يسقط
بالتقادم.
* جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























