من حبس المدين إلى إصلاح منظومة الدين
لا للسجن كأداة تحصيل… ونعم لنظام عادل يفرّق بين الإعسار والاحتيال
بقلم: م. نبيل إبراهيم
حداد
مستشار في الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع
أثار الأستاذ عوني
الرجوب في مقاله حول حبس المدين قضية إنسانية واقتصادية وقانونية مهمة، وهي قضية
لا يجوز التعامل معها من زاوية عاطفية فقط، ولا من زاوية مصلحة الدائن وحده، ولا
من زاوية حماية المدين على حساب الحقوق. فموضوع الدين في المجتمع والاقتصاد ليس
علاقة بسيطة بين طرف قوي يعطي وطرف ضعيف يأخذ، بل هو جزء من منظومة تجارية
واقتصادية متكاملة، يدخل فيها الطرفان بإرادتهما، ولكل منهما مصلحة، ومخاطرة،
ومسؤولية.
لذلك، فإن السؤال
الحقيقي ليس: هل نحبس المدين أم لا نحبسه؟ بل السؤال الأهم هو: كيف نصلح منظومة
الدين بحيث تحفظ الحقوق، وتحمي الإنسان، وتمنع الاستغلال، وتفرق بوضوح بين الإعسار
الحقيقي والاحتيال المتعمد؟
إن جميع الديون
تقريبًا، سواء كانت قروضًا، أو تسهيلات، أو إيجارات، أو كمبيالات، أو معاملات بيع
وشراء، أو عقود خدمات، هي في النهاية جزء من معاملات تجارية. والدائن، أو المموّل،
أو المؤجر، أو البائع، لم يدخل في هذه العلاقة بدافع العمل الخيري فقط، بل دخل
فيها لتحقيق منفعة أو ربح أو عائد مالي. وهذا حق مشروع، لكنه يعني أيضًا أن عليه
أن يتحمل جزءًا من مسؤولية القرار التجاري الذي اتخذه.
فمن يمنح التمويل، أو
يبيع بالأجل، أو يؤجر، أو يقبل الضمانات، هو طرف مشارك في العملية التجارية، وعليه
واجب مهني وأخلاقي في دراسة قدرة الطرف الآخر على السداد، وفهم المخاطر، وتوثيق
العلاقة بشكل عادل وواضح. لا يجوز أن يتمتع الدائن بكل مزايا الربح والعائد، ثم
يطلب من الدولة أن تتحول إلى أداة عقابية لحماية قراره التجاري إذا فشل هذا القرار
أو تعثر المدين.
وهذا لا يعني إطلاقًا
إضاعة حقوق الدائنين أو تشجيع الناس على عدم السداد. فالديون حقوق، والعقود يجب أن
تُحترم، والثقة في التعاملات المالية والتجارية أساس لأي اقتصاد سليم. لكن حماية
الحقوق لا يجب أن تكون عبر السجن كأداة تحصيل، خاصة عندما يكون المدين معسرًا حسن
النية، لا محتالًا ولا متهربًا ولا مخفيًا لأصوله.
إن حبس المدين المعسر
لا يعيد المال بالضرورة، بل قد يقلل فرصة استرداده. فالإنسان الموجود في السجن لا
يعمل، ولا ينتج، ولا يستطيع إعادة ترتيب وضعه المالي، ولا يستطيع أن يسدد دينه
بصورة عملية. وفي كثير من الحالات، يتحول حبس المدين إلى عقوبة جماعية غير مباشرة
تطال أسرته وأبناءه ومصدر رزقه واستقرار بيته. وبهذا نكون قد نقلنا المشكلة من
نزاع مالي إلى مأساة اجتماعية.
في المقابل، لا يجوز أن
يتحول منع حبس المدين إلى غطاء للمماطلة أو الاحتيال أو سوء النية. فهناك فرق كبير
بين من تعثر بسبب خسارة تجارية أو بطالة أو مرض أو ظروف اقتصادية قاهرة، وبين من
أخذ المال وهو يعلم أنه لا ينوي السداد، أو أخفى أصوله، أو نقل ملكياته صوريًا، أو
وقّع التزامات وهو يعلم أنه غير قادر عليها، أو استغل القانون للهروب من حقوق
الناس. الأول يحتاج إلى حماية وتنظيم وإعادة جدولة، أما الثاني فيحتاج إلى مساءلة
صارمة.
من هنا، فإن الإصلاح
الحقيقي يجب أن يقوم على مبدأ واضح: لا للسجن كأداة تحصيل، ونعم للمساءلة عند
الاحتيال وسوء النية وإخفاء الأصول.
وهذا المبدأ ليس غريبًا
على التجارب القانونية الحديثة. ففي كثير من الدول، لا يُنظر إلى تعثر المدين
باعتباره جريمة بحد ذاته، بل تتم معالجته من خلال قوانين الإعسار أو الإفلاس أو
إعادة التنظيم المالي. هذه القوانين لا تعني إعفاء المدين من المسؤولية، لكنها تعطيه
فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه، وتمنح الدائنين آلية منظمة وعادلة لاسترداد ما يمكن
استرداده، بدل تحويل المدين إلى سجين غير قادر على العمل أو السداد. الفكرة
الأساسية في هذه الأنظمة أن الفشل المالي ليس دائمًا جريمة، وأن الاقتصاد يحتاج
إلى آلية لإدارة الفشل كما يحتاج إلى آلية لتشجيع النجاح.
وفي هذا السياق، يجب
ألا تكون الحماية للدائن وحده. فالدائن جزء من العملية التجارية، والمدين جزء منها
أيضًا. وإذا كان الدائن يريد حماية رأس ماله وربحه، فإن المدين يحتاج إلى حماية
كرامته وحقه في العمل وفرصته في إعادة النهوض. العلاقة العادلة لا تقوم على سحق
طرف لحساب طرف آخر، بل على توزيع المسؤولية بصورة متوازنة.
كما أن بعض الممارسات
في السوق تحتاج إلى مراجعة جادة. فهناك عقود تُكتب بلغة قانونية معقدة لا يفهمها
المواطن العادي، وهناك كمبيالات أو ضمانات قد تتجاوز أصل الدين الحقيقي، وهناك
شروط جزائية أو فوائد أو رسوم أو التزامات إضافية تجعل الدين يتضخم بصورة غير
متناسبة مع أصل العلاقة التجارية. وفي بعض الحالات، قد يجد المواطن نفسه محكومًا
بقيمة ورقة أو كمبيالة لا تعكس حقيقة الدين، وإنما تعكس خللًا في التوازن التعاقدي
أو ضعفًا في الفهم أو استغلالًا لحاجة الناس.
كذلك الأمر في
الإيجارات والمعاملات اليومية. فالمالك له حق مشروع في استيفاء الأجرة، لكن
المستأجر أيضًا له حق في الوضوح والعدالة والتوثيق وعدم تحميله أعباء غير منصفة.
والمورد له حق في قبض ثمن بضاعته، لكن المشتري أو المقاول المتعثر لا يجوز أن
يُعامل كمجرم إذا كان تعثره نتيجة ظروف حقيقية لا احتيال فيها. كل هذه العلاقات
يجب أن تُدار بعقود واضحة، وتوثيق سليم، وآليات تسوية، وليس بمنطق التهديد بالسجن.
إن المطلوب اليوم هو
الانتقال من عقلية العقوبة إلى عقلية الإدارة القانونية والاقتصادية للدين. وهذا
يتطلب منظومة متكاملة تشمل: دراسة القدرة المالية قبل منح التمويل، إلزام الجهات
التمويلية والتجارية بالإفصاح الكامل عن الشروط، منع الضمانات المبالغ فيها، ضبط
استخدام الكمبيالات، توفير آليات وساطة وتسوية قبل التصعيد القضائي، اعتماد خطط
إعادة جدولة عادلة، وتمكين القضاء من التمييز بين المدين المعسر حسن النية والمدين
المتحايل سيئ النية.
كما يجب إنشاء آليات
واضحة لفحص الوضع المالي للمدين. فإذا ثبت أنه يملك أموالًا أو أصولًا ويخفيها أو
ينقلها للتهرب، فيجب أن يواجه إجراءات صارمة. أما إذا ثبت أنه لا يملك القدرة على
السداد، فالحل ليس سجنه، بل تنظيم السداد حسب قدرته، أو إعادة هيكلة الالتزام، أو
منحه فرصة زمنية معقولة، مع الحفاظ على حق الدائن ضمن إطار قانوني واضح.
إن الاقتصاد لا يقوم
فقط على حماية الدائنين، ولا يقوم أيضًا على إعفاء المدينين من التزاماتهم.
الاقتصاد يقوم على الثقة. والثقة تحتاج إلى عدالة. والعدالة تعني أن من يخاطر
تجاريًا يجب أن يتحمل جزءًا من مخاطر قراره، وأن من يتعثر بحسن نية لا يجوز
تدميره، وأن من يحتال أو يتهرب لا يجوز حمايته.
لذلك، فإن الدعوة إلى
إصلاح منظومة الدين هي دعوة إلى حماية السوق نفسه، لا إلى حماية طرف ضد طرف.
فالسوق السليم يحتاج إلى دائن مطمئن بأن حقه لن يضيع، ومدين مطمئن بأن تعثره لن
يحوله إلى مجرم، وقانون قادر على التمييز بين الفشل الاقتصادي المشروع والاحتيال
غير المشروع.
إن الأردن بحاجة إلى
نظام أكثر تطورًا في التعامل مع الديون، نظام لا يستخدم السجن كأداة تحصيل عامة،
ولا يترك الدائن بلا حماية، ولا يسمح باستغلال حاجة الناس، ولا يكافئ المماطلة
وسوء النية. نحتاج إلى منظومة دين عادلة، شفافة، قابلة للتنفيذ، وتفهم أن الدين
علاقة تجارية تحمل الربح والمخاطرة معًا.
فالعدالة ليست في حبس
المعسر، وليست في إضاعة حقوق الدائن، بل في بناء نظام يفرّق بين من فشل رغم حسن
النية، ومن خدع الناس بسوء نية. عندها فقط نكون قد انتقلنا من حبس المدين إلى
إصلاح منظومة الدين، ومن منطق العقوبة إلى منطق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.























