شريط الأخبار
الملك يودع بعثة حجاج بيت ﷲ الحرام المخصصة لأسر الشهداء لبنان وخطر إعادة انتاج تجربة السلطة في الضفة الغربية؟ لا للسجن كأداة تحصيل… ونعم لنظام عادل يفرّق بين الإعسار والاحتيال رابطة الشباب تطالب باجراءات حكومية لخفض اجور نقل الطلاب لندرس دمج الخدمات الطبية الملكية مع خدمات وزارة الصحة الاحتلال يقرصن وتعترض اسطول الصمود المتجه لغزة حيث تتحول الألعاب الرقمية إلى فرص ريادية.. فعالية بغرفة صناعة عمان بطلان تنازل العامل عن حقوقه المالية في التشريع الأردني إنجازات نوعية في الاقتصاد الرقمي والاتصالات والبريد خلال نيسان الماضي استمرار فعاليات برنامج التايكوندو في المراكز الشبابية بالتعاون مع الاتحاد الأردني للتايكوندو زين و"الوطني للأمن السيبراني" يطلقان حملة توعوية بالأمن الرقمي سجل الجمعيات: استحداث منصة "تكامل" يمثل استجابة للتطورات التكنولوجية ونهج التحوّل الرقمي الأمن العام يوضح ملابسات الاعتداء على حدث ومحاولة احتجازه في إربد نمو صادرات "صناعة اربد" 8.3% خلال 4 أشهر وزارة المياه تطلق المرحلة الثانية لمشروع تطوير منظومة الحوكمة المؤسسية لتعزيز كفاءة القطاع المائي حملة امنية موسعة تطيح بمخالفات مياه في الشونة وعجلون إعلامي قطري: الدعم الملكي أسهم في نهضة الكرة الأردنية عجلون: بيت التراث الأردني يوثق ذاكرة الأجداد ويحافظ على الهوية الوطنية أمانة عمان : أعمال تعبيد للشوارع بقيمة ٧ مليون دينار أبو غزالة: تعديلات بيئة الاستثمار 2026 تبسّط الإجراءات وتدعم فرص العمل

لبنان وخطر إعادة انتاج تجربة السلطة في الضفة الغربية؟

لبنان وخطر إعادة انتاج تجربة السلطة في الضفة الغربية؟


كتب: عريب الرنتاوي

انتهت ثالث جولة من مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل، إلى تمديد لوقف إطلاق النار لمدة 45 يوما إضافية...من زاوية نظر مجردة، فإن وقف إطلاق النار يتعين أن يكون خبراً جيداً، وتطوراً إيجابياً في سياقات الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، لكن من الناحية العملياتية والسياسية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، بل ومحملة بسيناريوهات أبعد ما تكون عن مفاهيم الهدنة والتهدئة ووقف الأعمال العدائية.

فالأطراف المختلفة المنخرطة في هذه المواجهة الكبرى، تحتفظ لنفسها بقراءات مختلفة لمفهوم "وقف إطلاق النار"...إسرائيل تقرأه على أنه دعوة لحزب الله والمقاومة لوقف عملياتها الموجعة في الجنوب، وجنوب الجنوب...المقاومة، تراه التزاماً متبادلاً... واشنطن لا تريد أكثر من تحييد بيروت الكبرى...أما السلطة اللبنانية، فهي حائرة بين هذا وذاك وتلك.

بهذا المعنى، ليس صدفة أن يشهد اليوم الأول للتمديد، توسيعاً وتكثيفاً في العمليات الحربية الإسرائيلية في الجنوب والبقاع...هذا أمر متوقع، ومرجح أن يستمر ويتصاعد كذلك، أما حكاية "تحييد" بيروت الكبرى، فلن تكون قيداً يمنع تل أبيب من تنفيذ عمليات استهداف في قلب العاصمة، إن توفر لها "صيد ثمين"، كما حصل مع قائد الرضوان.

يعني ذلك من ضمن ما يعني، واحداً من أمرين، أو كليهما: الأول؛ أننا بإزاء خفض للتصعيد وليس وفقاً لإطلاق النار، مما لا يستحق كل هذه الحفاوة بالإنجاز الكبير الذي تم "انتزاعه" في واشنطن...والثاني؛ أن في خلفية الحماسة الأمريكية والقبول الإسرائيلي بالتمديد، ما يعيدنا إلى القاعدة التي حكمت المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي منذ البدء: التفاوض مع السلطة وقتال الحزب والمقاومة، وهي القاعدة التي حكمت وتتحكم بجغرافيا خفض التصعيد، مبقية بيئة حزب الله وأماكن انتشاره في قلب "المهداف" الإسرائيلي طيلة الوقت، وكل الوقت.

مسار أمني ملازم

ليس تفصيلاً أبداً، إقرار الأطراف المتفاوضة الثلاثة، بالحاجة لشق مسار أمني موازٍ للمسار السياسي للمفاوضات، بل ويمكن القول، أن المسار الأمني يتقدم من وجهة النظر الإسرائيلية (والأمريكية استتباعاً) على المسار السياسي، فمن دون اطمئنان الجانب الإسرائيلي لقدرة السلطة على ترجمة قرار حصرية السلاح، وتجريد الحزب منه، لن يتقدم المسار السياسي قيد أنملة، دع عنك بلوغ خواتيمه بإتمام الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

لا غبار على المطالب اللبنانية الأربعة التي تقدم بها المفاوض في واشنطن، ولا على ترتيبها أولوياتها، وهو أمرٌ درج مفاوضون عرب آخرون على البدء به، قبل أن ينتهوا إلى نقيضه، وتجربة أوسلو وما بعدها، تقف كشاهد حيّ على ما نقول...فمقابل المطالب اللبنانية، هناك مطالب وأولويات إسرائيلية مدعومة أمريكياً، تذهب في اتجاه آخر، وترتب مهام على السلطة اللبنانية، حتى قبل حصولها على مجرد "وعد" بالحصول على ما ذهبت من أجله إلى مسار التفاوض، وإسرائيل اعتادت تحصيل ما تريد، بالجملة، سلفاً ومقدماً، نظير وعود وتعهدات، تتبخر قبل أن يجفّ الحبر الذي كتبت فيه، هذا إن كانت مكتوبة أصلاً.

وفي ظل الاختلالات الفادحة في أوزان الأطراف المجتمعة على مائدة التفاوض في واشنطن، وفي البيئة التفاوضية المسمومة التي تحيط بالفريق اللبناني، والتي تتجلى بخاصة في الهوية العقائدية المتطرفة للفريقين التفاوضيين الأمريكي (مايك هكابي وأضرابه)، والإسرائيلي (السفير الأكثر تطرفاً من بن غفير، فإن الفريق اللبناني يجد نفسه كما "اليتيم على مأدبة اللئام".

وليس المشهد بحاجة لعبقرية خاصة، للتعرف على اتجاهات تطور الملف اللبناني، في السياسة والمفاوضات، كما في الميدان...وفي ظني أن إسرائيل بتأييد كامل من واشنطن، ستعمل على إعادة انتاج تجربتها مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، في لبنان جنوبه وبقاعه وضاحيته، آخذة بنظر الاعتبار فوارق التجربتين ومشتركاتهما، وذلك بالسير على مسارين متكاملين ومتوازيين:

الأول؛ سيواصل الجيش الإسرائيلي في كل الظروف عمليات إحباط الخطر الكامن والقائم و"قيد التخطيط"، مستنداً إلى "حرية الحركة" التي يتمتع بها بموجب تفاهماته مع واشنطن، تماماً مثلما يفعل في الضفة الغربية طيلة هذه السنوات...لا وقف لإطلاق النار على الإطلاق، الحرب ستستمر في جغرافيا وضد ديموغرافيا الحزب والمقاومة، فهذه هي الأولوية الأولى للجانب الإسرائيلي، وسيواصل العمل عليها، حتى يختل ميزان الخسائر والأرباح، فتصبح كلف استمرار الحرب عسكرياً وسياسياً، أعلى من كلف إنهائها.

والثاني؛ تحويل السلطة في لبنان إلى "سلطة رام الله 2"، لا كرمى لأهدافها السيادية، بل لزجها للقيام بأدوار مباشرة، بالشراكة مع إسرائيل، وفي إطار "تنسيق أمني مقدس آخر"، ستُفتتح قناته الأولى أواخر الشهر الحالي في البنتاغون، والهدف دائماً: تسريع إنجاز مهمة نزع السلاح، وتقليص كلفها على الجانب الإسرائيلي، وتحميل لبنان قسطاً من المسؤولية والأعباء، تماماً مثلما فعلت السلطة "وتفعل" في الضفة الغربية، وتحت العناوين ذاتها تقريباً: "سلاح واحد"، "سلطة واحدة"، "التنسيق الأمني المقدس"، ولا بديل عن المفاوضات العبثية سوى المزيد منها.

ليس من موقع الاتهام لأحد، لا في السلطة ولا خارجها، ولكن من موقع التحذير من عواقب تجربة مماثلة، ما زالت ماثلة أمام ناظرينا، ودعونا نستحضر بعض "الإسقاطات" الإضافية من التجربة الفلسطينية، ومن باب التذكير، علّ الذكرى تفيد المؤمنين.

بين تجربتين

بعد الانتفاضة الثانية واغتيال ياسر عرفات مسموماً، كلفت الإدارة الأمريكية الجنرال كيت دايتون بالإشراف على تشكيل الجهاز الأمني الفلسطيني، وإعادة صياغة عقيدته الأمنية من جديد، وظهرت نظرية "الانسان الفلسطيني الجديد"، الذي يرى في المقاومة عدواً وتهديداً وفي الاحتلال "مشروع حليف"...فعلت السلطة كل ما بوسعها لإطفاء "غضب الضفة" ومحاصرة مقاومتها في المهد، وسجلت نجاحات مهمة على هذا الصعيد، سيما وأن هذا "المسار الأمني" تزامن مع مسار اقتصادي قاده و"هندسه" طوني بلير، سيئ الذكر، نقل بنتيجته الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد صمود ومقاومة، الى اقتصاد استهلاك، أثقل كاهل جيل بأكمله بقروض المصارف وكمبيالاتها.

اليوم، تقفز واشنطن لفعل الشيء ذاته في لبنان...الجيش اللبناني، كما الجيل الأول من قادة ومنسوبي الأجهزة الفلسطينية، ليس موضع ثقة، وقائده موضع اتهام، وإسرائيل تعتبره جزءا من المشكلة وليس أداة للحل، فتتفتق عبقريتها عن الحاجة لتشكيل فرقة خاصة، تتبع لهذا الجيش (ولا تتبعه)، مدربة ومسلحة بالأدوات والأسلحة والعقيدة التي بنيت عليها أجهزة دايتون في الضفة، وإضفاء القداسة على التنسيق الأمني بين الجانبين، للتناوب على استهداف "السلاح المنفلت"، وفي سياق الحرب الكونية على الإرهاب، تزامناً بالطبع، مع حرب اقتصادية-مالية شعواء، تشن على حزب الله وبنيته المدنية والاجتماعية.

لم تتلق السلطة الفلسطينية الكثير من "جوائز الترضية" المستحقة نظير ما قامت به، بل قوبلت بالعزل والتهميش والحصار الاقتصادي والمالي...بقاؤها بحد ذاته، ولو على هذا الشكل المُهين، هو المكافأة الوحيدة التي خرجت بها، ولا أحسب أن السلطة اللبنانية ستلقى معاملة تفضيلية، اللهم إلا إذا صدقنا هراء بعضهم بأن قوة لبنان تكمن في "حب" بعض العرب والأوروبيين له!

إسرائيل العاجزة عن إنجاز حلمها الأكبر بتصفية المقاومة وتفكيك حزب الله، باتت تدرك أن القوة وحدها، لن تجدي نفعاً أمام مقاومة باسلة وبيئة صامدة، فجنحت للأخذ بخيارات أخرى، أمريكية المنشأ، تقوم على قاعدة التفكيك المتدرج، وتقاسم الأدوار بين "جيش الدفاع" وقوة عسكرية جديدة من طراز قوة دايتون، وحصار اقتصادي وخنق مالي يحيط بالحزب وبيئته.

لكن الفريق اللبناني المتساوق مع هذه الطروحات سيواجه، كما تل أبيب وواشنطن، مشكلة اختلاف لبنان عن الضفة، والسلطة اللبنانية عن سلطة رام الله، فالتفرد لبنانياً بقرار السير في رحاب "التنسيق الأمني" من الطراز "الدايتوني" دونه خرط القتاد، والتركيبة اللبنانية ستكون عرضة للانهيار قبل أن يغادر هذا المسار نقطة انطلاقه.

اختلافٌ لا ينبغي أن يقلل للحظة من خطورة وجود اتجاهات لبنانية، داخل السلطة وخارجها، مستعدة للسير على خطى سلطة رام الله، سيما وأن هناك من يقترح تولي لبنان الرسمي وجيشه دوراً رائداً في إنجاز المهمة، وليس دوراً تكميلياً فحسب، وهناك من يعتبر أن استمرار إسرائيل في استهداف الحزب وبيئته، هو أمرُ مقبول، طالما أن المناطق الأخرى والبيئات الأخرى، غير مشمولة بالاستهداف، بل ويَعِدُّ ذلك إنجازاً دبلوماسياً مهماً، لم يكن انتزاعه أمراً ممكناً من دون سلوك طريق التفاوض المباشر.

مسار بديل

ما يدور في الأذهان الأمريكية والإسرائيلية ليس قدراً لا رادّ له، وثمة فريق من داخل بيئة الحزب وخارجها، يدرك خطورة السير على طريق مسدود، لا نهاية له سوى بسيناريو الفوضى والاحتراب الأهلي، وثمة "ضوء في نهاية نفق الانقسام الداخلي المظلم"، لاح مع نشر تسريبات عن قنوات خلفية نشطة بين بعبدا والثنائي، وأحسب أن فرص بناء مشتركات بين غالبية اللبنانيين ما زالت قائمة رغم اتساع حدة الانقسام، واشتداد حرب الاتهامات المتبادلة.

الحزب قالها مراراً وتكراراً أنه ملتزم بالتهدئة ما التزم بها الطرف الآخر، لكنه لن يعود إلى المرحلة الممتدة من 27 تشرين 2024 إلى 2 آذار 2026، تلكم نقطة بداية جيدة يمكن البناء عليها، والدولة بمختلف مؤسساتها محكومة بإدامة الاتصال والحوار، وفي المقابل فإن الحزب مطالب بتقديم خطته للخروج بلبنان من مأزقه الراهن، بما في ذلك، تصوراته لمستقبل السلاح، فلا يكفي أن تكون مقاتلاً بارعاً، فالمطلوب أن تكون سياسياً رائداً ومبادراً كذلك.

صحيح أن مختلف الأفرقاء، يفضلون حتى الآن، إدارة الأزمة على حلها، أقله إلى أن تنجلي غبار المعارك في الخليج، والتعرف على نهايات الحرب على إيران، لكن ذلك، لا ينبغي أن يمنع اللبنانيين من محاولة صياغة مخرج يليق ببلديهم وتضحيات أهله ومستقبل أجياله القادمة.