نقد تصريحات وزير البيئة حول عبارة “استحوا” و“عيب عليكم”
بقلم المهندس نبيل
إبراهيم حداد
لا خلاف على أن رمي
النفايات في الشوارع ومواقع التنزه سلوك مرفوض، ومسيء للمشهد العام، ومكلف على
الدولة والمجتمع. كما أن الأرقام التي أشار إليها الوزير حول كلفة إدارة النفايات،
والمخالفات، وحملات النظافة، تؤكد أن المشكلة لم تعد هامشية. فقد صرّح الوزير بأن
كلفة إدارة النفايات في الأردن تبلغ نحو 230 مليون دينار سنوياً، وأنه تم تسجيل 53
ألف مخالفة بيئية منذ انطلاق البرنامج التنفيذي للنظافة. كما تشير مصادر
أخرى إلى أن الأردن ينتج ملايين الأطنان من النفايات سنوياً، وأن كلفة إدارة
النفايات قد تصل إلى مئات الملايين من الدنانير سنوياً.
لكن المشكلة ليست في
دفاع الوزير عن النظافة، بل في دفاعه عن لغة التوبيخ وكأنها سياسة اتصالية مقصودة
يجب التمسك بها.
أولاً، عندما تستخدم
وزارة رسمية عبارات مثل "استحوا” و"عيب عليكم”، فإنها تنتقل من خطاب التوعية إلى
خطاب التأنيب. قد يقول الوزير إن المقصود هو الفعل لا الشخص، ولكن المتلقي العام
لا يفصل دائماً بين الأمرين، خصوصاً عندما يصدر الخطاب من مؤسسة حكومية موجهة إلى
جمهور واسع. المواطن لا يرفض محاسبة المخالف، لكنه يرفض أن تُخاطبه الدولة بلغة
تبدو وكأنها تعمم الاتهام الأخلاقي على المجتمع كله.
ثانياً، القول إن
الخطاب التقليدي مثل "عزيزي المواطن” لم يعد يجذب الشباب لا يبرر استبداله بلغة
جارحة أو استعلائية. الحداثة في الخطاب لا تعني الخشونة، والوصول إلى الشباب لا
يحتاج إلى صدمة لفظية بقدر ما يحتاج إلى ذكاء اتصالي، صور مؤثرة، رسائل قصيرة،
أمثلة عملية، حملات تشاركية، ومساءلة واضحة للمخالفين دون إهانة للمجتمع.
ثالثاً، الوزارة ليست
جهة وعظ أخلاقي، بل جهة سياسات عامة وتنظيم وإنفاذ قانون. دورها أن توضح المشكلة،
وتضع البنية التحتية المناسبة، وتراقب، وتخالف، وتكافئ السلوك الإيجابي. أما تحويل
القضية إلى "عيب” و"استحوا”، فقد يحرف النقاش من مشكلة النفايات إلى مشكلة كرامة
الخطاب الرسمي. وهذا ما حدث فعلاً؛ إذ أصبح الجدل حول لغة الوزارة بدلاً من أن
يكون حول كيفية وقف رمي النفايات.
رابعاً، الأرقام التي
طرحها الوزير تحتاج إلى عرض أكثر دقة وشفافية. فذكر جمع 345 ألف طن من النفايات
خلال حملات نظافة في أشهر قليلة رقم كبير جداً ويحتاج إلى توضيح: هل المقصود
نفايات بلدية عامة؟ أم مخلفات تراكمية؟ أم مجموع ما جرى التعامل معه ضمن البلديات؟
وما هي آلية القياس؟ عندما تقدم الحكومة أرقاماً كبيرة، يجب أن ترافقها منهجية
واضحة حتى لا تتحول الأرقام من دليل قوة إلى موضع تشكيك.
خامساً، تحميل السلوك
العام وحده مسؤولية المشكلة غير كافٍ. الوزير أشار إلى أربعة محاور: السلوك،
التوعية، البنية التحتية، وإنفاذ القانون. وهذا صحيح نظرياً. لكن الخطاب ركز بقوة
على سلوك المواطن، بينما يجب أن يكون السؤال أيضاً: هل توجد حاويات كافية في مواقع
التنزه؟ هل توجد دورات جمع مناسبة بعد المناسبات الوطنية؟ هل توجد خطة تشغيل خاصة
بالأعياد والاحتفالات؟ هل توجد غرامات فورية واضحة؟ هل توجد كاميرات ورقابة في
المواقع الأكثر تضرراً؟ السلوك السيئ يعالج بالقانون والتربية، لكنه يعالج أيضاً
بتصميم خدمة عامة تجعل الالتزام أسهل من المخالفة.
سادساً، من غير المناسب
ربط الانتماء الوطني مباشرة بالنظافة بطريقة تبسيطية. نعم، النظافة جزء من السلوك
الحضاري، ولكن المواطن قد يكون منتمياً لوطنه ومع ذلك يمارس سلوكاً خاطئاً يحتاج
إلى ضبط وتوعية. تحويل الخطأ السلوكي إلى اختبار للانتماء قد يخلق استقطاباً غير
ضروري، بينما المطلوب هو بناء ثقافة التزام لا ثقافة اتهام.
الخلاصة: الوزير محق في
خطورة المشكلة، ومحق في أن النفايات أصبحت عبئاً مالياً وبيئياً وسلوكياً. لكنه
أخطأ في الدفاع عن لغة التوبيخ كخيار اتصالي. الدولة القوية لا تحتاج إلى أن توبخ
مواطنيها حتى تطبق القانون. تستطيع أن تقول بوضوح: "رمي النفايات مخالفة، وسيتم
تطبيق الغرامات فوراً”، وتستطيع أن تطلق حملة ذكية ومؤثرة، دون أن تدخل في لغة
"استحوا” و"عيب عليكم”.
الأفضل الآن أن تعيد
الوزارة توجيه الرسالة على النحو التالي:
احترام المواطن، محاسبة
المخالف، تحسين الخدمة، وتطبيق القانون بعدالة.
بهذا فقط يتحول ملف
النظافة من جدل إعلامي إلى مشروع وطني حقيقي.
























