من كتاب "مخيمي ذكرياتي"
الكاتب الصحفي جودت
مناع
كان المكان الذي نُصبت
فيه الخيام لأول مرة غابةً من الأشجار البرية والصخور المتناثرة. وعندما تدفق إلى
الموقع نحو سبعة آلاف لاجئ اقتُلعوا من قرابة خمسٍ وأربعين قرية فلسطينية في محيط
القدس الجنوبي وما جاوره، لم يكن أمامهم سوى اقتلاع مئات الأشجار الحرشية لتوفير
مساحات ضيقة يقيمون عليها خيامهم المؤقتة.
كانت الخيمة آنذاك تعني النجاة من العراء أكثر
مما تعني السكن، فيما كانت الأخشاب المقتَلعة تُستخدم للتدفئة في ليالي الشتاء
القاسية. أما الصخور الصلبة التي غطت أجزاء واسعة من المكان الذي عرف بمخيم
الدهيشة، فقد بقيت شاهدًا على قسوة البدايات سنوات طويلة، قبل أن يتمكن السكان، مع
مرور الزمن، من تكسيرها وتسوية الأرض وبناء حياة جديدة فوقها.
في تلك السنوات الأولى
بدا المخيم أقرب إلى معسكر كبير للنازحين منه إلى تجمع سكاني طبيعي. فقد أُقيم
بعيدًا عن التجمعات الفلسطينية المأهولة، وعلى مسافة تقارب الكيلومترين من أطراف
مدينة بيت لحم. وكان السكان يقطعون هذه المسافة سيرًا على الأقدام كلما أرادوا
الوصول إلى المدينة، إذ لم تكن هناك حافلات أو وسائل نقل عامة، وكانت المركبات
الخاصة نادرة جدًا. واستغرق الأمر سنوات قبل أن تتوافر وسائل مواصلات تخفف عن
الناس مشقة الطريق.
كنا نقصد بيت لحم
لنتعرف إلى شوارعها وأهلها وأسواقها. ومع مرور الوقت نشأت بين المخيم والمدينة،
التي شهدت ميلاد السيد المسيح، علاقات مودة واحترام متبادل. وتداخلت مصالح الناس
اليومية من خلال العمل والتجارة والمشاركة في مواسم قطف الزيتون التي كانت تغطي
مساحات واسعة من التلال والجبال المحيطة.
وكان بعض أطفال المخيم
يعملون في ضخ المياه إلى خزانات المنازل بواسطة مضخات يدوية، مقابل نصف قرش أو ما
يزيد قليلًا، ليتمكنوا من شراء قطعة حلوى أو مساعدة أسرهم في مواجهة أعباء الحياة.
وبرغم قسوة اللجوء والفقر، ظلت الروابط الإنسانية تتسع عامًا بعد عام، حتى تطورت
العلاقة بين المخيم وجيرانه المسيحيين في بيت لحم إلى نموذج من الشراكة الوطنية
والإنسانية، التي جمعت أبناء الوطن الواحد في مواجهة المصير المشترك والسعي إلى
مستقبل أفضل.
#مخيم_الدهيشة #بيتـلحم #فلسطينPalestine

























