شريط الأخبار
تبادل القصف بين الجيش الأمريكي وإيران لليوم الثالث وواشنطن تستعد لإعادة فرض الحصار على موانئها أردننا جَنّة.. هل تحوّلت السياحة الداخلية إلى "رحلة مدرسية" مدعومة على حساب المال العام؟ مجموعة السلام العربي تلتقي رئيس الديوان الملكي وتؤكد إطلاق مؤتمر دولي للقوة الناعمة في الأردن نوفمبر المقبل الغارديان: التعذيب والوفيات في السجون الإسرائيلية أصبحا أمرًا اعتياديًا تحليل لهارتس: ترامب لا يريد عودة الحرب ويستخدم القوة لإعادة إيران إلى المفاوضات من كتاب "مخيمي ذكرياتي" عطاء لمحطة جديدة بجسر الملك حسين لتخفيف الازدحامات على بوابته مرة اخرى ...بوصلة الوطن ومحاولات التشتيت.. هل يُدرك مسؤولونا حقا أين هو الخطر الحقيقي؟ مجموعة السلام العربي ومنظمة شعوب العالم تبحثان مع وزير النقل سبل التعاون في تنظيم القمة الدولية للسلام والتنمية وفيات الثلاثاء 14-7-2026 "دراسات المهندسين" توصي بإعداد استراتيجية وطنية للسكك الحديدية الأرصاد: أجواء صيفية في معظم المناطق وحارة في الأغوار والبادية إصابة شخصين بانفجار قنبلة يدوية قديمة في العاصمة النواب يناقش اليوم مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية البنك المركزي يطرح سندات خزينة بقيمة 100 مليون دينار الزميل فضل معارك مديرًا للإذاعة الأردنية الخدمة والإدارة العامة تعلن نتائج الفرز الأولي لوظيفة مدير عام الخط الحديدي الحجازي استراتيجية السياحة الأردنية: من إدارة الأزمة إلى صناعة وجهات سياحية مستدامة ترامب يعلن إعادة فرض الحصار البحري على إيران مجموعة السلام العربي تبحث مع منظمة قمة شعوب العالم إطلاق القمة الدولية للسلام والتنميةو بناء المستقبل

أردننا جَنّة.. هل تحوّلت السياحة الداخلية إلى "رحلة مدرسية" مدعومة على حساب المال العام؟

أردننا جَنّة.. هل تحوّلت السياحة الداخلية إلى رحلة مدرسية مدعومة على حساب المال العام؟

نضال ملو العين


 

حين أطلقت وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة برنامج "أردنا جنة" قبل سنوات، كان الرهان مبنيّاً على تحريك عجلة القطاع السياحي الداخلية . لكنني أرى اليوم، ومع تكرار الصيغة ذاتها دون أي تطوير، أن هذا البرنامج بات يواجه معضلة حقيقية؛ فهو يمثّل دليلاً ملموساً على "الوقوف عن الإبداع"، والتجديد، والتحديث، والتغيير، والعجز عن تقديم منتج سياحي مستدام ومنافس.

الواقع الذي نراقبه اليوم يكشف عن فجوة عميقة بين الأرقام الإحصائية الرسمية التي تحتفي بعدد المشاركين، وبين الأثر الاقتصادي والنمائي الحقيقي على الأرض. الغالبية العظمى ممن خاضوا تجربة "أردنا جنة" يجمعون على قناعة واحدة: "لن نكررها". فلماذا تحول البرنامج في نظري إلى ما يشبه "الرحلة المدرسية" المكررة؟ ومن هو المستفيد الفعلي من هذه الملايين المدعومة؟ وما هي كلفته الحقيقية على الدولة والقطاع؟

فاتورة الدعم: أين تذهب الأموال ومن المستفيد؟

يعتمد برنامج "أردنا جنة" بشكل أساسي على آلية "الدعم المالي المباشر" الذي تغطيه الحكومة من الخزينة (وتصل نسبة الدعم أحياناً إلى ما بين 50% و70% من الكلفة الإجمالية للرحلة). هذا الأسلوب يُدار بعقلية إدارة الأزمات المؤقتة وليس بعقلية التنافسية التجارية، وبتحليلي المتواضع لأثر هذا الإنفاق نجد التالي:

 * أثر محدود على المنشآت الكبرى: الفنادق والمنشآت السياحية الكبرى في الوجهات الرئيسية كالعقبة والبترا لا تجد في هذا البرنامج منقذاً حقيقياً؛ فالقوة الشرائية للمشارك المدعوم تظل محددة، وغالباً ما تنحصر الرحلات في سياحة اليوم الواحد أو الإقامات منخفضة الكلفة، مما لا يرفع من معدلات الإنفاق الفعلي في المجتمع المحلي.

 * المستفيد الحقيقي: المستفيد الأكبر ينحصر في دائرة ضيقة تشمل بعض شركات النقل السياحي ومكاتب السياحة الداخلية التي تعتمد على الحصص المخصصة لها كمصدر دخل مضمون من المظلة الحكومية، ليتحول البرنامج إلى أداة لتقديم "أرقام إنجاز كمية" أمام صانع القرار، دون النظر إلى الجودة أو القيمة المضافة للسائح.

هدر المال العام وغياب العدالة التوزيعية

إن النقد الذي أوجهه للبرنامج يتجاوز الجانب الإداري والتسويقي، ليصل إلى تفكيك المبدأ الاقتصادي والتشريعي الذي بُني عليه؛ إذ أرى أن ضخ أموال الخزينة في كلف رحلات ترفيهية لأفراد يعد بمثابة إهدار للمال العام واختلال في معايير العدالة:

 * انحراف عن الغاية التنموية: الخزينة العامة تُغذى من ضرائب يلتزم بها جميع المواطنين والقطاعات، والأصل أن تُوجّه موازنات وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة نحو "التطوير والتمكين والترويج الهيكلي"، وليس ممارسة دور "مكتب سياحة وسفر مدعوم" ينافس السوق. تحويل هذه المخصصات لدعم رحلات ترفيهية آنيّة هو انحراف بالمال العام عن غايته الاستثمارية المستدامة إلى غاية استهلاكية مؤقتة؛ فليس من العدالة أن تُدفع أموال الجميع لمجموعة ترغب بالرحل والتنزه.

قتل التنافسية وتشويه السوق الحُر

في أي بيئة اقتصادية صحية، يعتمد القطاع الخاص (من مكاتب سياحة وسفر، وأدلاء، وفنادق، ومطاعم) على التنافسية في الجودة والسعر لاستقطاب الزبائن. لكن تدخل الحكومة كلاعب وممول ومسوق عبر برنامج "أردنا جنة" أحدث تشوهاً هيكلياً خطيراً في السوق:

 * تدمير المبادرة الفردية للمكاتب: عندما تطرح الحكومة رحلات بأسعار مدعومة بنسبة تتجاوز نصف قيمتها الحقيقية، فإنها تقضي تماماً على قدرة مكاتب السياحة والسفر الصغيرة والمتوسطة على تسويق برامج سياحية داخلية بأسعار تجارية عادلة. إن دعم الرحل هنا يقضي تماماً على تنافسية القطاع الخاص في تقديم الخدمات، ويجبر المكاتب إما على الانكفاء، أو الارتهان للحكومة للحصول على "كوتة" (حصة) من الرحلات المدعومة للبقاء على قيد الحياة.

 * تثبيت رداءة الخدمة: غياب التنافسية الحقيقية واحتكار الدعم المضمون يجعل مقدمي الخدمات المرتبطين بالبرنامج في غنى عن تطوير جودة خدماتهم أو الابتكار في برامجهم، طالما أن تدفق الزبائن مؤمّن ومغطى ماليّاً من أموال الخزينة.

غياب الابتكار: مقاربة "مصرنا جنة" و"تركيتنا جنة"

في قراءة مقارنة مع دول الجوار التي تمتلك ثقلاً سياحياً كبيراً وتربطنا بها منافسة إقليمية مثل مصر أو تركيا، يبرز تساؤل جوهري طالما طرحته: لماذا لم نجد يوماً برنامجاً يحمل اسم "مصرنا جنة" أو "تركيتنا جنة" بقوالب مدعومة تشابه الطرح المحلي؟

الإجابة تكمن في فلسفة بناء المنتج السياحي؛ فتلك الدول لا تقدم دعماً مالياً مباشراً للمواطن ليزور آثار بلاده، بل تركز جهودها على خلق بنية تحتية تتيح خيارات تناسب كافة الميزانيات، والتسويق الهيكلي المتكامل الذي يخلق تجربة فريدة تجمع بين الترفيه وسياحة المغامرات والحياة الحيوية. هذا التنوع يدفع المواطن للذهاب طواعية ودفع الكلفة الحقيقية لأنه يجد قيمة حقيقية مقابل أمواله. التمسك بـ "أردنا جنة" بشكلها الحالي بات يمثل اعترافاً ضمنياً بالعجز عن تطوير منتج سياحي جاذب ومنافس بحد ذاته.

التضليل الإحصائي وخلط المفاهيم

من الجوانب التي تستدعي التوقف عندها مليّاً هي آلية احتساب الأرقام والإنجازات في القطاع السياحي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمغتربين الأردنيين أو الزوار الأشقاء من الدول العربية الذين يملكون صلات قرابة داخل المملكة.

إن إدراج هذه الفئات ضمن "نجاحات خطط الجذب السياحي" هو خلط واضح للمفاهيم؛ فالمغترب والزائر العربي الذي يأتي لقضاء إجازته وزيارة أهله مدفوع بعامل اجتماعي ونشاط عائلي بحت، وقراره بالقدوم مستقل تماماً عن أي حملة ترويجية أو جهد سياحي رسمي، وبالتالي لا يعتبر احتساب أرقامهم إنجازاً. احتساب هذه الفئات كإنجاز يغطي على التحدي الأكبر: الفشل في استقطاب "السائح الفعلي" الذي لا يربطه بالأردن أي صلة، ويختار وجهته بناءً على مقارنة محايدة بين جودة الخدمات والتكلفة ومستوى الترفيه.

 

 لقد استنفد برنامج "أردنا جنة" أغراضه كمسكّن مؤقت كان ضرورياً في مراحل معينة كجائحة كورونا لتحريك بعض الحافلات والمنشآت. أما تحويله إلى استراتيجية مستدامة، فهو تكريس للوقوف عن الإبداع والتجديد وتشويه صارخ لآليات السوق الحُر وتنافسية القطاع الخاص.

 

 إن قطاع السياحة الأردني بحاجة اليوم إلى إعادة هيكلة جذرية، وتوجيه أموال الدعم من حرقها في كلف حافلات ووجبات يوم واحد، نحو استثمارات رأسمالية وتنموية حقيقية في البنية التحتية والمرفقية للمواقع السياحية، وخفض الضرائب والرسوم على القطاع ككل لتنخفض الأسعار بشكل طبيعي وتنافسي أمام الجميع، بدلاً من الاستمرار في إدارة القطاع بأسلوب "الرحلات المدرسية" التي لا تصنع صناعة سياحية حقيقية قادرة على الصمود والمنافسة العالمية.