شريط الأخبار
الثورة العربية الكبرى في ذكرى انطلاقتها في 10 حزيران 1916 : رغبة مشروعة وتحديات تاريخية كبرى د. حيدر البستنجي: كيف يتبرع الفرد بعقله للسياسيين؟ المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب كمية مخدرات كبيرة بواسطة طائرة مسيّرة في عيد الجلوس الملكي.. مصفاة البترول الأردنية تجدد الولاء للقيادة الهاشمية وتستذكر مسيرة وطن من الإنجاز والتحديث رونين بيرغمان: إيران قالت الكلمة الأخيرة وإسرائيل خرجت بفشل استراتيجي أسرة جامعة البترا تهنئ بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين للجلوس الملكي زراعة الأغوار الشمالية تطلق حملة لمكافحة آفة دوباس النخيل الإذاعة والتلفزيون تطلق موقعا إلكترونيا لمواكبة مشاركة النشامى في المونديال بوصلة التغيير.. كسر احتكار "الفلاتر" وتجديد دماء الدولة فانس: تباينات بين واشنطن وإسرائيل بشأن الملف النووي الإيراني غرف الصناعة تشيد بقرار رفع الأفضلية السعرية للمنتجات الوطنية الى 20% حان وقت إعادة إحياء أهم أدوات التكافل الاجتماعي: الزكاة. اتحاد العمال يطالب برفع الحد الأدنى للأجور 30 دينارا. وزيرة التنمية تترأس اجتماعا بمؤتمر الدول الأطراف باتفاقية حقوق ذوي الإعاقة في نيويورك الحنيطي رئيسا للجنة المؤقتة للنادي الفيصلي رئيس مجلس النواب: الأردن بقيادة الملك يمضي بثبات في مسيرة التحديث والإنجاز ولي العهد يتابع تدريبات النشامى في أمريكا الذهب يرتفع 10 قروش للغرام في الأسواق المحلية الملك يتلقى برقيات تهنئة بعيد الجلوس وذكرى الثورة العربية ويوم الجيش الأمن العام: ضبط سلاح ناري بحوزة حدث داخل مدرسة في محافظة المفرق

رونين بيرغمان: إيران قالت الكلمة الأخيرة وإسرائيل خرجت بفشل استراتيجي

رونين بيرغمان: إيران قالت الكلمة الأخيرة وإسرائيل خرجت بفشل استراتيجي

صحافة اسرائيلية


جولة الحرب التي بادر إليها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والتي كان يُفترض على ما يبدو أن تنتهي باستئناف الحرب مع إيران، أقله من جانب إسرائيل، استمرت 24 ساعة وانتهت بصوت خافت. كانت أيضاً هزيمة استراتيجية محرجة، ومجازاً دالاً على شأن هذه الحرب الغريبة برمتها.

لعل هذه هي الهزيمة الحقيقية: ليس فقط أن خطوة كان يُفترض بها، ظاهرياً، أن تصوغ قواعد جديدة، انتهت بأن يرسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحدود، وبأن يوضح الإيرانيون ما الذي سيحدث إذا عادت إسرائيل إلى بيروت؛ وليس فقط أن الجولة لم تُنتج حَسماً؛ بل إن المنظومة نفسها التي قادتنا إلى هذا الموضع تصرّ، حتى الآن، بعد ساعات من انقشاع الغبار، على ترديد الأغنية ذاتها تماما.

انها لا تتعلّم. إنها تسوّق. لا تفحص ما الذي اختلّ، بل تُنتج "ورقة رسائل". وبين هذا وذاك، تطلب منّا جميعاً أن نقبل أكثر الجمل عبثية في السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة: أنه إذا عدنا مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى إلى الجولة نفسها، فسيحدث في النهاية شيء مختلف. الساعات الأربع والعشرون الأخيرة تقول العكس. تقول إنه أحياناً لا حاجة إلى لجنة تحقيق كي نفهم ما جرى. يكفي أن ننظر إلى مَن هاجم أولاً، ومَن ردّ، ومَن أوقف، ومَن اضطر في النهاية إلى الظهور أمام الكاميرات من دون أن يقول كلمة نصر.

ان وصفاً حقيقياً للجدول الزمني في هذه الجولة يبيّن الفشل والفضيحة أكثر من أي شيء اخر.

لم تقع الضربة الإسرائيلية في الضاحية في فراغ. فقد نُفذت بعدما كان واضحاً، من تجربة الأسبوع الذي سبقها، أن ضربة إسرائيلية كبيرة في الساحة اللبنانية قد تستدرج رداً إيرانياً مباشراً. لذلك، فإن مجرد الخروج إلى خطوة كهذه كان يفرض على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان، ومن المؤكد أنها أخذت بالحسبان، سيناريو ترى فيه إيران نفسها ملزمة بالرد. وهذا يعني أن الضربة في الضاحية لم تكن مجرد عملية موضعية في مواجهة لبنان أو حزب الله، بل كانت خطوة يمكن أن تؤدي ــ وقد أدت فعلاً ــ إلى إعادة الربط بين الساحة اللبنانية والساحة الإيرانية. وبدلاً من الاستمرار في سياسة فصل الساحات، خلقت إسرائيل عملياً وضعاً من "وحدة الساحات" بمبادرتهاهي.

لم يكن الأميركيون يريدون فتح جبهة جديدة مع إيران، ولم يكونوا يريدون أن تفتح إسرائيل جبهة كهذه. وحتى إذا كانوا قد علموا ببعض الخطوات الإسرائيلية، يبدو أنهم لم يفهموا حتى النهاية الديناميكية التي كان يمكن أن تشعلها العملية، أو أنهم لم يتلقوا صورة كاملة عن التداعيات المحتملة. وعملياً، نشأت فجوة حادة بين التصور الإسرائيلي للعملية وبين الخط الأميركي. تصرفت إسرائيل بطريقة أدت إلى رد إيراني، ثم ردت هي بنفسها داخل إيران، وعند هذه المرحلة اتضح أن الأميركيين غير معنيين بالسماح لهذه الخطوة بأن تتدحرج إلى حرباوسع.

كان الرد الإيراني مركزاً نسبياً، وبقي ضمن معادلة محسوبة. أطلقت إيران صواريخ باتجاه قواعد مرتبطة، وفق الفهم الإيراني، بالعملية الإسرائيلية في لبنان. وبذلك بعثت برسالة واضحة: المساس بالضاحية سيُقابَل أيضاً من الساحة الإيرانية، وليس فقط عبر الوكلاء. لم يكن الهدف من إطلاق الصواريخ بالضرورة فتح حرب شاملة، بل تثبيت معادلة. ومن وجهة نظر إيران، فإن القدرة بحد ذاتها على الرد مباشرة، واختيار حجم الإطلاق وتوقيته وأهدافه، كانت لا تقل أهمية عن الضرر المادي الذي وقع. أرادت أن تُنهي الجولة والكلمة الأخيرة في يدها، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد.

من يعطي الامر.

بعد إطلاق الصواريخ الإيرانية، هاجمت إسرائيل داخل إيران، وهي خطوة لم تقم بها منذ فترة طويلة. ومع ذلك، كانت الأهداف التي اختيرت محدودة نسبياً: رادارات وأهداف عسكرية عند سقف منخفض نسبياً، إلى جانب ضربة أكثر رمزية لمصنعين اثنين. يمكن فهم هذه الخطوة بوصفها محاولة إسرائيلية للرد من دون إعلان فعلي عن فتح حرب شاملة. وبالنسبة إلى نتنياهو، ربما اعتُبرت هذه الضربات رداً ضرورياً لا يتجاوز العتبة نحو حرب كاملة. أما بالنسبة إلى الأميركيين، فإن مجرد الهجوم داخل إيران بعد إطلاق الصواريخ كان جزءاً من ديناميكية تصعيد خطيرة.

قال نتنياهو في التصريح القصير الذي أدلى به أمس، من دون أسئلة من الصحافيين: "بعد أن هاجمت إيران إسرائيل، أوعزت إلى الجيش الإسرائيلي بمهاجمة أهداف عسكرية واقتصادية في أنحاء إيران. في هذه اللحظة، النار في هذه الجبهة متوقفة، لأنه بعدما تلقى نظام الإرهاب في طهران ضربة، توقف عن مهاجمتنا.

هذا يبيّن أن الساعة وحق الكلمة الأخيرة مهمان لنتنياهو، لكن من المؤسف أن الوقائع ليست إلى جانبه. فقد انتهت الضربات الإسرائيلية في ساعات الصباح الأولى، بينما واصل الإيرانيون إطلاق الصواريخ بعد ذلك. وجاء الإطلاق الأخير في وقت لاحق من الصباح، وبذلك حدّدت إيران نهاية الجولة من وجهةنظرها.

هذه تفصيلة مهمة: ليست إسرائيل هي التي أغلقت الحدث، بل إيران. هي التي قررت متى تتوقف، وكم تطلق، وإلى أين تطلق. وعلى المستوى الإدراكي والاستراتيجي، هذه نتيجة إشكالية جداً بالنسبة إلى إسرائيل، لأنها تتيح لإيران أن تعرض نفسها بوصفها الطرف الذي ردّ، ولم يرتدع، وأنهى الجولة بشروطه. هم قالوا الكلمة الأخيرة، لا نحن. وقد توقفوا لأنهم توصلوا مع ترامب إلى تفاهم بشأن وقف إطلاق النار، وهو ما فُرض على إسرائيل خلافاً لرغبتها.

في موازاة ذلك، كانت إسرائيل تُعدّ رداً آخر، أكثر أهمية بكثير. لم يكن من المفترض أن تكون تلك عملية موضعية، بل خطوة كبيرة جداً، كان من شأنها بلا شك أن تفتح حرباً واسعة. كانت الاستعدادات متقدمة، وكانت الخطط على طاولة نتنياهو في جولة المصادقات الأخيرة، وكان الطيارون في طريقهم إلى قمرة القيادة، وبعضهم كان داخلها فعلا.

ثم، بينما كان منحنياً فوق الخرائط، ناوله أحدهم الهاتف بمكالمة لم يكن يستطيع رفض تلقيها. تدخل ترامب وأوقف الخطوة. كانت الرسالة الأميركية إلى إسرائيل حادة: لا تواصلوا، لا تصعّدوا، وأعيدوا المنظومة إلى الوراء. وكان معنى ذلك أن إسرائيل، بعدما قادت نفسها إلى نقطة تصعيد، اضطرت إلى التوقف ليس بسبب قرار مستقل منها، بل بسبب فيتو

امريكي.

كشفت النتيجة مرة أخرى عمق التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة. أوعز المستوى السياسي في إسرائيل إلى الجيش بالاستعداد لخطوة كبيرة، ولم يغمض رجال التخطيط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات أعينهم كي يكونوا قادرين على عرض خطة هائلة الأبعاد على نتنياهو، تشمل أيضاً أهدافاً بنيوية. ثم، بعد ليلة بلا نوم، تلقى قادة الجيش من المستوى السياسي أمراً معاكساً تماماً. هذه خطوة مشروعة تماماً، ومن حق المستوى السياسي أن يقول شيئاً ثم يتراجع عنه فوراً، إذا كان الأمر طبعاً يتعلق بالمستوى السياسي للدولة نفسها. هذه المرة، كما في كل المرات الأخرى منذ شباط/فبراير، اكتشف قادة الجيش أن المستوى السياسي الذي يصدر لهم الأوامر يجلس في البيت الابيص.

وبالنسبة إلى هيئة الأركان، هذه وضعية صعبة بصورة خاصة: المستوى السياسي المحلي يدفع نحو التصعيد، لكن المستوى السياسي الحقيقي الذي يحدد حدود الفعل هو الأميركي. وبهذا المعنى، أوضح الحدث للجميع ــ لإيران، وللولايات المتحدة، ولإسرائيل، وللعالم ــ حدود الاستقلالية الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بحرب واسعة ضدايران.

صورة فشل مزدوجة.

بالنسبة إلى إيران، فإن الدرس المركزي من الحدث واضح: الولايات المتحدة لا تريد حرباً، وإسرائيل لا تستطيع الخروج إليها وحدها خلافاً لإرادة أميركية صريحة. وإذا كان هذا هو الفهم الإيراني، فقد نشأت هنا معادلة استراتيجية جديدة وخطيرة بالنسبة إلى إسرائيل. أكثر من ذلك، فإن الضاحية، وهي منطقة اعترفت الولايات المتحدة بها هدفاً مشروعاً للعمل بفضل إصرار وزير الأمن السابق غالانت خلال عملية "سهام الشمال" على أن تتمكن إسرائيل من العمل رداً على أي خرق لوقف إطلاق النار، تحصل الآن على نوع من الحماية غير المباشرة.

اذا كانت ضربة هناك قد تستدرج رداً إيرانياً مباشراً ثم تدخلاً أميركياً لكبح إسرائيل، فإن المجال اللبناني يتغير. لم تعد هذه ساحة منفصلة، بل تتحول إلى جزء من معادلة إيرانية اوسع.

كان الحساب المحتمل لنتنياهو على الأرجح هو خلق ديناميكية تصعيد تُدخل الأميركيين إلى الداخل، وتتيح لإسرائيل استكمال ما لم يُستكمل في الجولة السابقة ضد إيران. وربما كانت الفرضية أن بضعة أيام من قتال مكثف، حتى لو بدأت إسرائيل بها وحدها، ستجرّ الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى المعركة. لكن هذا السيناريو لم يتحقق، بل تحقق عكسه. ترامب لم ينجرف إلى الداخل فحسب، بل أوقف إسرائيل. وبدلاً من حرب تستكمل الخطوة الإسرائيلية ضد إيران، نشأ وضع معاكس: كُبحت إسرائيل، أطلقت إيران النار أخيراً، وأثبت الأميركيون بصورة علنية جداً أنهم هم مَن يحددون حدود 

الجولة.

يكتشب الحدث معنى أشد خطورة في ضوء احتمال أن يكون الأميركيون يتقدمون نحو اتفاق مع إيران. فإذا كان ترامب، كما قال لنتنياهو في مكالمتهما الهاتفية أمس، ماضياً فعلاً نحو التوقيع على اتفاق كهذا، فإن الأمر يتعلق بخطوة لا ترغب بها إسرائيل، وهذا توصيف شديد اللطف، بل شديد اللطف جداً جداً، ومن المؤكد أنها لا ترى فيها إنجازاً اتراتيجيا.

هكذا تتشكل صورة مزدوجة من الفشل: لم تنجح إسرائيل في تجديد الحرب، ولم تنجح في جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع، وأعادت ربط لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بأن يقولوا الكلمة الأخيرة، وفي النهاية قد تجد نفسها أمام اتفاق أميركي ــ إيرانيتعارضه.

في حصيلة الساعات الأربع والعشرين، من الصعب الإشارة إلى إنجاز إسرائيلي واضح. هذه ليست مجرد عثرة تكتيكية، بل إحراج استراتيجي. ففي أقل من يوم واحد، اتضحت حدود القوة الإسرائيلية، وعمق التبعية للولايات المتحدة، وقدرة إيران على تشكيل معادلة إقليمية جديدة، والفجوة بين الرغبة الإسرائيلية في التصعيد وبين عدم استعداد الولايات المتحدة للسماح بحرب واسعة.

احد مصادر القوة المركزية لإسرائيل هو صورة التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، وصورة القدرة على التأثير في السياسة الأميركية. هذا الحدث ألحق الضرر بتلك الصورةلم يرَ العالم هنا تنسيقاً إسرائيلياً ــ أميركياً، بل العكس: خطوة إسرائيلية كبحها الرئيس الأميركي. وحتى إذا قُدمت لاحقاً تفسيرات أخرى، فإن الصورة الاستراتيجية تبدو واضحة منذ الآن: حاولت إسرائيل توسيع الجولة، وأوقفتها واشنطن. وبالنسبة إلى أعداء إسرائيل، هذه صورة ذات قيمة كبيرة. إنها تُظهر متى تتوقف إسرائيل، ومَن يوقفها، وما هي حدود قوتها.

·       كاتب اسرائيلي

·       نقلا عن صحيفة الاتحاد الفلسطينية