شريط الأخبار
الثورة العربية الكبرى في ذكرى انطلاقتها في 10 حزيران 1916 : رغبة مشروعة وتحديات تاريخية كبرى د. حيدر البستنجي: كيف يتبرع الفرد بعقله للسياسيين؟ المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب كمية مخدرات كبيرة بواسطة طائرة مسيّرة في عيد الجلوس الملكي.. مصفاة البترول الأردنية تجدد الولاء للقيادة الهاشمية وتستذكر مسيرة وطن من الإنجاز والتحديث رونين بيرغمان: إيران قالت الكلمة الأخيرة وإسرائيل خرجت بفشل استراتيجي أسرة جامعة البترا تهنئ بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين للجلوس الملكي زراعة الأغوار الشمالية تطلق حملة لمكافحة آفة دوباس النخيل الإذاعة والتلفزيون تطلق موقعا إلكترونيا لمواكبة مشاركة النشامى في المونديال بوصلة التغيير.. كسر احتكار "الفلاتر" وتجديد دماء الدولة فانس: تباينات بين واشنطن وإسرائيل بشأن الملف النووي الإيراني غرف الصناعة تشيد بقرار رفع الأفضلية السعرية للمنتجات الوطنية الى 20% حان وقت إعادة إحياء أهم أدوات التكافل الاجتماعي: الزكاة. اتحاد العمال يطالب برفع الحد الأدنى للأجور 30 دينارا. وزيرة التنمية تترأس اجتماعا بمؤتمر الدول الأطراف باتفاقية حقوق ذوي الإعاقة في نيويورك الحنيطي رئيسا للجنة المؤقتة للنادي الفيصلي رئيس مجلس النواب: الأردن بقيادة الملك يمضي بثبات في مسيرة التحديث والإنجاز ولي العهد يتابع تدريبات النشامى في أمريكا الذهب يرتفع 10 قروش للغرام في الأسواق المحلية الملك يتلقى برقيات تهنئة بعيد الجلوس وذكرى الثورة العربية ويوم الجيش الأمن العام: ضبط سلاح ناري بحوزة حدث داخل مدرسة في محافظة المفرق

الحقيقة والصدى(١)

د. حيدر البستنجي: كيف يتبرع الفرد بعقله للسياسيين؟

د. حيدر البستنجي: كيف يتبرع الفرد بعقله للسياسيين؟

 



 

د حيدر البستنجي 

 

الحقيقة بطبيعتها كائن صامت، ثقيل، يتطلب التنقيب والشك المستمر والمكابدة الفكرية، أما "الصدى" فخفيف، صاخب، يأتيك راكضاً وممتعاً ومجانياً.و يبدو أن إنسان القرن الحادي والعشرين قد نجح أخيراً في حل المعضلة الديكارتية الشهيرة، مستبدلاً الاستدلال العقلي بالنقرة الرقمية. ففي عالم يعج بالمعلومات، بات الفرد يمارس طقساً صباحياً فريداً: يرتشف قهوته، يفتح هاتفه، يمارس مهارة "إعادة التغريد" أو "المشاركة" لصالح قضية سياسية أو جيوسياسية بالغة التعقيد، ثم يتكئ إلى الخلف شعوراً بالرضا الفكري الكامل، واهماً أنه صاغ موقفاً مبدئياً حراً.

هذا التضخم الإدراكي ليس إلا الوجه المعاصر لما يسميه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار بـ "الواقع الفائق" (Hyperreality)، حيث يختفي الأصل (الحقيقة) تماماً وراء سيل من العلامات والرموز المكررة (الصدى). إن المأساة الساخرة هنا تكمن في أن هذا "المفكر الحر" لا يدرك أن رأيه القاطع لم يكن نتاج تأمل فلسفي أو تمحيص تاريخي، بل جرى تلقيمه له بعناية عبر خوارزميات صُممت خصيصاً لاستثارة غدده الانفعالية. لقد تنازل الإنسان الحديث عن أثمن ما يملك، وتبرع بعضويته الفكرية لصالح النخبة السياسية، ليتحول من "مواطن فاعل" إلى مجرد "ترس" يعيد إنتاج أصداء الآخرين

        التفكير النقدي  الحر عملية شاقة بالاساس؛ فهو يتطلب بحثا معرفيا و طاقة ذهنية لمواجهة الشك والغموض. وهنا يتدخل العقل البشري المنقاد بغريزة "الاقتصاد المعولم " ليختار الطريق الأسهل: الأجوبة الجاهزة. هذه "الاستقالة الفكرية" ليست ظاهرة حديثة، بل هي امتداد لـ "أوهام القبيلة" (Idols of the Tribe) التي حذر منها الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون منذ قرون؛ حيث يميل البشر غريزياً إلى هندسة الحقائق لتتلاءم مع أهوائهم وانتماءاتهم الضيقة. وغالبا ما يفضل الفرد أن يكون مخطئاً داخل الجماعة على أن يكون مصيباً وخارجها. لنتأمل ما حدث في أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى عام 1914؛ حيث اندفعت الجماهير النخبوية والشعبية على حد سواء في شتى العواصم الأوروبية بحماس هائل نحو حرب مدمرة، مدفوعة بـ "البروباجندا الشوفينية" (القومية المتطرفة). لقد سخر فلاسفة وعلماء عقولهم وكتاباتهم لصالح الآلة السياسية والعسكرية، متخلين عن النزاهة العلمية في سبيل التماهي مع "روح القطيع". إن الخوف من العزلة الاجتماعية والسياسية يدفع الفرد طواعية إلى تبني الأخبار المضللة لمجرد أنها تمنحه بطاقة الانتماء إلى قبيلته الفكرية المعاصرة. وهذا ما جرى بالضبط بعد احداث السابع من اكتوبر ، حيث اختفى العقل النقدي لصالح روتين القطيع وأوهامه دون حتى مناقشة الآليات او النتائج على المدى القريب او البعيد  في رحلة  اختطاف عاطفي يخاطب مشاعر الخوف والغضب فصناع البروباجندا والإعلام الموجه لا يخاطبون أبداً القشرة المخية الحديثة المسؤولة عن المنطق، بل يستهدفون مباشرة الجهاز الحوفي (Limbic System)، وتحديداً "اللوزة الدماغية" المسؤولة عن مشاعر الخوف والغضب

العدو موجود ويتم شيطنته اكثر مع تبسيط اختزالي للصراع عبر ثنائية الخير مقابل الشر ثم يتم تطعيم الخوارزميات بما يسمى التحيز التأكيدي(Confirmation Bias) حيث تطعِم الخوارزميات الفرد بما يوافق هواه السياسي مسبقاً، وتغلق عليه باب "غرفة الصدى" (Echo Chamber)، فيسمع صوته مكرراً مئات المرات من أفواه الآخرين، فيظن أن الكون قد أجمع على عبقريته الفكرية. وهكذا يصبح الفرد هو "المنتج" والسلعة في آن واحد في تحالف الرأسمالية الرقمية مع البروباجندا السياسية لخلق رأي عام فكلما زاد غضب الفرد، وزاد تشنجه في الدفاع عن فكرة ما، زادت ساعات بقائه خلف الشاشة، وزادت بالتالي أرباح الشركات وتأثير الفاعلين السياسيين.المواطن الذي يظن نفسه"مناضلاً ثورياً" أو "حامياً للحمى" وراء شاشته المضيئة، ليس في الواقع سوى نقطة بيانات(Data Point) في خوارزمية حملة انتخابية أو استخباراتية موجهة، يتم تسييله حرفياً إلى نفوذ سياسي لشخص يجلس في غرفته المغلقة يبتسم لمدى سهولة انقياد الجماهير. لهذا عندما تجد نفسك في المرة القادمة متحمسا  برغبة عارمة في إقصاء من يخالفك الرأي وتصنيفه متطرفاً أو خائناً؛ قف قليلاً واطرح على نفسك هذا السؤال الفلسفي المقلق: هل هذا الموقف هو نتاج تفكيرك الحر وتقييمك للأدلة، أم أنك مجرد ببغاء متطور تردد صدى صوتٍ ألقاه صانع قرار في بئر عقلك المستقيل؟ ودمتم بخير