كوفي توكس: حوارٌ مع النفس في قلب إسطنبول
كتب: جودت مناع
غادرتُ المنزل متأخراً،
ومضيتُ على مهلٍ في شوارع إسطنبول التي لا تنام. انعطفتُ يساراً مع انحدار الطريق
حتى بلغتُ تقاطعاً تتفرع منه الشوارع كأنها حكايات تبحث عن رواة. وبعد خطوات
قليلة، وسط شارع يضج بالمقاهي والمطاعم ووجوه العابرين، استوقفتني لوحة صغيرة كُتب
عليها:
**Coffee Talks**.
كان الاسم كافياً لأشدّ
باب الفضول. دخلتُ المقهى ولم أتوقع أن أجد نفسي جالساً وحيداً على أريكة تتوسطها
منضدة صغيرة، وإلى جانبها مقعد خشبي يكفي لشخص آخر لم يأتِ. بدت الطاولة وكأنها
تنتظر حواراً مؤجلاً، أو صديقاً تأخر كثيراً عن موعده.
المقهى صغير المساحة،
لكنه واسع بالحياة. قسمه الداخلي محاط بالزجاج، فيما ينفتح قسمه الآخر على الشارع
العريض المكتظ بالمارة. جلست أراقب المكان قبل أن أطلب كأساً من القهوة الأمريكية
المثلجة وزجاجة مياه معدنية. ثم بدأت أرتشف الوقت ببطء، كما لو أنني أحتسي المدينة
نفسها.
من حولي كانت الأحاديث
تتدفق بين الشباب والصبايا. ضحكات تتعالى، وكلمات تتشابك بلغات لا أفهمها. كانت
تصل إلى أذنيّ ثم تمضي بعيداً، كأنها أمواج خفيفة تلامس الشاطئ دون أن تترك أثراً.
ومع ذلك، شعرت أنني جزء من المشهد، وأن الغربة ليست دائماً أن تجهل اللغة، بل أن
تبحث عن وجه مألوف فلا تجده.
ابتسمتُ لنفسي وأنا
أتأمل مفارقة المكان. ما الذي جاء بي إلى مقهى يحمل اسم **«كوفي توكس»**، بينما لا
أملك فيه سوى حديث داخلي طويل؟ بدا الأمر طريفاً ومؤثراً في آنٍ واحد؛ فبين عشرات
الأصوات من حولي، كان الحوار الوحيد الذي أفهمه هو ذلك الذي يدور في داخلي.
ومع مرور الوقت، أخذت
التفاصيل الصغيرة تمنح المكان سحره الخاص؛ ابتسامة النادل الخجولة، وقع الأكواب
على الطاولات، حركة المارة خلف الزجاج، وضجيج المدينة الذي بدا كأنه موسيقى خلفية
لا تنتهي. هناك، على تراس صغير في قلب إسطنبول الأوروبية، أدركت أن بعض الأماكن لا
تمنحك رفقة الآخرين بقدر ما تمنحك فرصة نادرة لمصالحة نفسك.
حين غادرت المقهى، لم
أحمل معي سوى مذاق القهوة وشيء من السكينة. أما الاسم، **Coffee Talks**،
فقد بقي عالقاً في الذاكرة. ولعل أجمل الأحاديث التي شهدها ذلك المساء لم تكن تلك
التي دارت بين رواده، بل ذلك الحوار الصامت الذي دار بين رجل غريب وقلبه، على
طاولة أُعدّت لشخصين.

























