شريط الأخبار
تشكيل لجان مؤقتة لإدارة غرف الصناعة تمهيدا للانتخابات ارتفاع طفيف على الحرارة الثلاثاء .. وأجواء حارة نسبيا الأربعاء النائب رائد الظهراوي: الحكومة تعارض العفو العام مكافحة الفساد: استرداد ومنع هدر 79 مليون دينار من المال العام خلال 2025 الملك يوجه بتركيز الجهود الحكومية على الارتقاء بجودة حياة المواطنين السيارة والديمقراطية والبيئة: هل المستقبل صيني؟ ملاحظات لمعالي د.عزمي محافظة: زلزال التوجيهي يصل إلى الجامعات جريمة قتل في اربد والامن يوقف مشتبها بهم الانتخابات الاسرائيلية جدلية البقاء وصناعة الأزمة: براغماتية نتنياهو ومأزق اليمين الإسرائيلي(2) شركات التخليص تنظم وتستكمل إجراءات 656 ألف بيان جمركي بكافة أوضاعها الجمركية زين شريك الاتصالات الحصري لـ "مسيرتنا صحة وتراث" لجمعية "همّتنا صحة" في البترا ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 89.70 دينارا للغرام تصعيد صهيوني بالضفة .. اقتحامات واعتقالات ومستوطنون يحرقون مسجداً هكذا تحدث الشهيد وصفي التل في تشخيصه لفساد الحكومة!! العثور على جثة عليها آثار إطلاق نار في اربد.. والشرطة تحقق العودات يرعى رفع العلم الأردني وإزاحة الستار عن جدارية العائلة الهاشمية بمجمع النقابات المهنية مع بدء العام الدراسي.. بعض الأُسر تشعر بغصة لضيق الحال الديوان الملكي يهنئ الملكة رانيا بعيد ميلادها الجيش يحبط محاولتي تهريب مخدرات بواسطة بالونات موجّهة المفوضية السامية: 70 دينارًا لكل لاجئ سوري في الأردن للعودة إلى سوريا

ملاحظات لمعالي د.عزمي محافظة: زلزال التوجيهي يصل إلى الجامعات

ملاحظات لمعالي د.عزمي محافظة: زلزال التوجيهي يصل إلى الجامعات



 

كتبت شيرين قسوس

 

هذه الملاحظات ليست انطباعات شخصية أو قراءة نظرية بعيدة عن الواقع الجامعي، وإنما هي خلاصة نقاشات وآراء عدد من الدكاترة والأكاديميين المختصين العاملين في الجامعات الأردنية، ممن يعيشون تفاصيل العملية التعليمية ويطلعون بصورة مباشرة على أعداد الطلبة والبرامج الأكاديمية واحتياجات الكليات والأقسام، وعلى ما يمكن أن يترتب على أي تغيير في نظام التوجيهي من آثار على التعليم الجامعي. ومن هنا تأتي هذه الملاحظات للتنبيه إلى جوانب قد لا تظهر عند النظر إلى النظام من زاوية المرحلة المدرسية وحدها، لكنها تصبح أكثر وضوحًا عند متابعة رحلة الطالب من المدرسة إلى الجامعة، وما يرافقها من تبعات أكاديمية وإدارية ومالية.

 

معالي الدكتور عزمي محافظة، إن إعادة النظر في نظام التوجيهي وتوزيع الطلبة على الحقول الدراسية ليست مجرد عملية تتعلق بتغيير مواد أو إعادة ترتيب مسارات في المرحلة الثانوية، وإنما قرار ستصل آثاره مباشرة إلى الجامعات وتخصصاتها وكلياتها وأعضاء هيئاتها التدريسية، بل وإلى مستقبل بعض التخصصات العلمية نفسها. ولذلك فإن أي تغيير في الحقول الدراسية يحتاج إلى أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة تعليمية واحدة تبدأ من المدرسة وتمتد إلى الجامعة، لا باعتباره قرارًا منفصلًا عن المرحلة التي تليه.

 

أولى الملاحظات تتعلق بطلبة الحقل الصحي الذين سيلتحقون لاحقًا بالتخصصات الطبية أو الكيمياء أو الأحياء وما يرتبط بها. هؤلاء الطلبة قد يجدون في الجامعة مساقات في الرياضيات والفيزياء، رغم أنهم لم يدرسوا هذه المواد في المدرسة أصلًا. والمشكلة هنا ليست في قدرة الطالب على دراسة مادة جديدة، وإنما في غياب الأساس الذي تُبنى عليه المساقات الجامعية. فالجامعة تفترض أن الطالب يصل إليها وهو يمتلك الحد الأدنى من المعرفة السابقة التي تؤهله لفهم المادة، وإذا لم تكن هذه المعرفة موجودة، فإن الطالب سيضطر إلى سد فجوة تعليمية في الوقت الذي يفترض فيه أن يبدأ دراسة تخصصه الجامعي.

 

وهذا يضعنا أمام ضرورة تحقيق انسجام حقيقي بين المسارات المدرسية ومتطلبات التخصصات الجامعية. فإذا كانت التخصصات الطبية والعلمية تحتاج إلى الرياضيات والفيزياء، فمن المنطقي أن يحصل الطالب في المرحلة الثانوية على الأساس المناسب فيهما قبل دخوله الجامعة. وإلا فإننا ننقل عبء النقص من المدرسة إلى الجامعة، ونجعل الطالب يبدأ مسيرته الجامعية بمواجهة متطلبات لم يُهيأ لها، بما قد ينعكس على تحصيله الأكاديمي ومعدله ومدة دراسته ونسب النجاح في المساقات الأساسية.

 

أما القضية الثانية، فهي أكثر اتساعًا، وتتعلق بالحقل الهندسي نفسه. فبحسب التقديرات التي يطرحها أكاديميون مختصون، فإن عدد الطلبة في الحقل الهندسي الذين سيكون من حقهم الالتحاق بكلية الهندسة بمختلف تخصصاتها يقارب ثلاثة آلاف طالب فقط. وهذا رقم يمكن، من الناحية الاستيعابية، أن تتعامل معه كليتا هندسة في جامعتين، بينما لدينا في الأردن عدد أكبر بكثير من كليات الهندسة التي أُنشئت وبرامجها الأكاديمية صُممت على أساس أعداد طلبة أكبر.

 

وهنا لا نتحدث عن مقاعد جامعية ستبقى شاغرة فحسب، بل عن بنية أكاديمية كاملة. فكلية الهندسة تضم أعضاء هيئة تدريس في تخصصات دقيقة، ومختبرات ومشاغل وتجهيزات، وكوادر فنية وإدارية، وبرامج أكاديمية واستثمارات كبيرة أُنفقت على مدى سنوات. وإذا انخفضت أعداد الطلبة بصورة كبيرة، فإن الجامعات ستواجه تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على هذه المنظومة بالحجم الحالي، وقد تجد بعض الكليات نفسها أمام واقع لا يتناسب مع حجم بنيتها التحتية أو أعداد كوادرها.

 

والأثر لن يتوقف عند كليات الهندسة. فالتخصصات الجامعية ليست جزرًا منفصلة، والهندسة تعتمد في جانب أساسي من تكوينها على العلوم الأساسية التي تقدمها كليات العلوم وأقسامها. وعندما ينخفض عدد الطلبة المتجهين إلى الهندسة، فإن الطلب على كثير من المساقات العلمية والخدمات الأكاديمية المرتبطة بها سيتأثر أيضًا، ما يعني أن انعكاس النظام الجديد قد يمتد إلى كليات العلوم التي تعتمد في جزء من نشاطها الأكاديمي على خدمة تخصصات الهندسة وغيرها من التخصصات العلمية.

 

أما الرياضيات والفيزياء، فالقضية بالنسبة إليهما أكثر حساسية. فمع توجه معظم طلبة الحقل الهندسي إلى كليات الهندسة، ومع انخفاض أعداد الطلبة الذين قد يختارون الرياضيات أو الفيزياء كتخصص جامعي مستقل، قد تجد الجامعات نفسها أمام أقسام علمية عريقة بأعداد طلبة محدودة جدًا. وهذا يضع مستقبل هذه الأقسام أمام تحديات حقيقية تتعلق باستدامة برامجها وحجم الطلب عليها.

 

وهنا تكمن المفارقة: قد تنخفض أعداد الطلبة الراغبين في دراسة الرياضيات والفيزياء كتخصصين مستقلين، في الوقت الذي تبقى فيه الحاجة إلى هاتين المادتين قائمة في الهندسة والعلوم والتخصصات الأخرى. أي أن المجتمع الجامعي قد يحتاج إلى تدريس الرياضيات والفيزياء على نطاق واسع، بينما يتراجع في الوقت نفسه عدد الطلبة الذين يدرسون هذين التخصصين أكاديميًا. وهذه معادلة تحتاج إلى معالجة مدروسة، حتى لا نصل إلى مرحلة نضعف فيها الأقسام التي نحتاج إليها أصلًا لتأهيل طلبة التخصصات العلمية والهندسية.

 

ومن هنا، فإن التعامل مع نتائج التوجيهي بمعزل عن انعكاساتها الجامعية قد يقود إلى نتائج غير محسوبة. فالجامعة ستستقبل مخرجات هذا النظام لسنوات طويلة، وستتكيف معها كلياتها وأقسامها وكوادرها وبرامجها، وليس من السهل إعادة بناء ما قد يتراجع أو يختفي بعد وقوع الأثر. قرار يغير أعداد الطلبة في تخصصات معينة هو في الوقت نفسه قرار يعيد تشكيل الخريطة الأكاديمية للجامعات.

 

لذلك، فإن المطلوب قبل المضي في أي تغيير واسع هو إجراء دراسة أثر شاملة للنظام الجديد على التعليم العالي، تشمل الجامعات وكلياتها وتخصصاتها وأعداد الطلبة المتوقعة، وتضع هذه الأعداد مقابل الطاقة الاستيعابية، وأعداد أعضاء هيئة التدريس، وحجم البنية التحتية والمختبرات، وكلفة البرامج، واحتياجات سوق العمل. كما ينبغي أن تكون الجامعات والأكاديميون المختصون جزءًا أصيلًا من هذه الدراسة، لأنهم الأقدر على قراءة النتائج التي قد لا تظهر في الجداول النظرية قبل أن تبدأ على أرض الواقع.

 

معالي الدكتور عزمي محافظة، تطوير نظام التوجيهي خطوة مهمة إذا كان يقود إلى تعليم أفضل ومسارات أوضح للطلبة، لكن نجاح أي إصلاح لا يُقاس فقط بما يحدث في المرحلة الثانوية. النجاح الحقيقي يظهر عندما يصل الطالب إلى الجامعة وهو يمتلك الأساس العلمي الذي يحتاجه، وعندما تستطيع الجامعات الاستمرار في تقديم التخصصات التي يحتاجها المجتمع، وعندما لا يؤدي تغيير مسار الطلبة إلى إضعاف تخصصات علمية أساسية أو إرباك كليات كاملة أُنشئت عبر سنوات من العمل والاستثمار.

 

المطلوب ليس إيقاف التطوير، وإنما ضمان أن يكون تطويرًا محسوبًا لا يخلق مشكلة جديدة وهو يعالج مشكلة قائمة. فالقرار الذي يعيد رسم مسارات الطلبة اليوم سيعيد، بالضرورة، رسم خريطة جامعاتنا غدًا. ولهذا فإن الاستماع إلى صوت الأكاديميين، وقراءة الأثر المتوقع على الجامعات قبل التطبيق، ليس تأخيرًا للإصلاح، وإنما جزء أساسي من نجاحه.

 

وفي الختام، فإن هذه الملاحظات تأتي من حرص حقيقي على أن يكون تطوير نظام التوجيهي خطوة إلى الأمام، وأن ينعكس أثره إيجابًا على الطالب والمدرسة والجامعة معًا. وما يطرحه الأكاديميون في الجامعات يستحق أن يُسمع ويُناقش قبل أن تبدأ آثار القرار بالظهور على أرض الواقع، لأن معالجة النتائج بعد وقوعها ستكون أكثر صعوبة وكلفة من دراسة آثارها مسبقًا.

 

وتفضلوا، معالي الدكتور، بقبول فائق الاحترام والتقدير.