شريط الأخبار
مصادر إسرائيلية تكذّب نتنياهو: ادعاءاته بامتلاك إيران قنابل نووية "كذبٌ محض" مناطق "خالية من حماس" في غزة بإشراف "مجلس السلام" وسط توسع السيطرة الإسرائيلية واشنطن تجهز لبناء سفارة ضخمة لها بالقدس المحتلة "مجلس سلام ترامب" يعلنها صراحة: لا مكان للأونروا في غزة الجديدة جيش الاحتلال يتوغل مجددا بريف درعا كنيست الاحتلال يصادق بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون "حظر الأذان" "الضمان" توضح: الفتاة العزباء تورث راتبها التقاعدي توقيف شخص متهم بالاحتيال على دائرة الاراضي معالجة 289 مريضًا خلال يوم طبي مجاني في عرجان بعجلون الجامعة الأردنية ترفع رسوم براءة الذمة 30 دينارا بذريعة إصدار ملحق للشهادة طفل الزرقاء المفقود لم يتم العثور عليه.. ومن عثر عليه طفل عين الباشا عراقجي ردًا على تهديدات كاتس: "ترامب ملزم بلجم حيوانه الأليف في تل أبيب" مجموعة زين تفوز برخصة تشغيل شبكة اتصالات جديدة في سورية لمدة 25 عاما بقيمة 747 مليون دولار نتنياهو: سنبقى في المنطقة الأمنية جنوب لبنان ما دام ذلك ضروريا مفاوضات فنية امريكية ايرانية غير مباشرة بالدوحة اليوم القبض على مطلوب محكوم بالشروع بالقتل في جرش 4.8 % معدل نمو الصناعة بالربع الأول للعام الحالي وول ستريت جورنال: خلاف بشأن فتح مضيق هرمز يعمّق الشرخ في العلاقات الأمريكية-السعودية مجموعة فاين الصحية القابضة تواصل توفير عبوة "فاين النشامى" الرمزية احتفاءً بالرحلة التاريخية الأولى للأردن ونشامى المنتخب في كأس العالم 2026 العيسوي يلتقي وفدا من الفريق الدولي للتطوير والاستشارات

ترامب… حين يتحوّل الخطاب إلى عبء على الدولة

ترامب… حين يتحوّل الخطاب إلى عبء على الدولة


 

د. طارق سامي خوري

 

 

لم تعد مؤتمرات ترامب الصحفية مساحة لعرض السياسات أو شرح القرارات، بل تحوّلت إلى مشهد مكرر، يعاد فيه نفس الخطاب، بنفس المفردات، وبنفس الادعاءات، حتى فقدت الكلمة معناها، وفقدت الرسالة قيمتها. التكرار لم يعد وسيلة للتأكيد، بل أصبح بديلاً عن المضمون، وكأن المطلوب إقناع الجمهور بالصوت المرتفع لا بالحجة، وبالإلحاح لا بالدقة.

 

هذا النمط من الخطاب لا يعكس قوة دولة، بل يكشف عن فراغ سياسي يتم تغطيته بالاستعراض. حين يكرر الرئيس نفسه عشر مرات في مؤتمر واحد، ويعيد نفس الجمل في كل ظهور، فإن المشكلة لا تكون في أسلوب الخطاب فقط، بل في غياب الفكرة الجديدة، والرؤية المتماسكة، والقدرة على إدارة الحوار مع الداخل والخارج بلغة دولة لا بلغة حملة انتخابية دائمة.

 

الأخطر أن هذا التكرار يترافق مع انحدار واضح في مستوى اللغة السياسية. استخدام تعابير من نوع "دمّرنا” و"قتلنا” و"سنعيدهم إلى العصر الحجري” لا يعكس حزمًا، بل يعكس خللاً في فهم معنى القوة. الدول العظمى لا تُقاس بكمية التهديدات التي تطلقها، بل بقدرتها على إدارة القوة بعقلانية واتزان، وبقدرتها على الحفاظ على صورتها كمرجعية سياسية وأخلاقية في النظام الدولي.

 

ولم يقف الأمر عند حدود اللغة الخشنة، بل تعداه إلى خطاب شخصي مسيء في العلاقات الدولية. التعليقات التي طالت ماكرون، وما يُتداول من إيحاءات أو سخرية مرتبطة بعلاقته بزوجته، تمثل خروجًا فاضحًا عن أبسط قواعد العمل الدبلوماسي. هذا النوع من الخطاب لا يسيء إلى الشخص المستهدف بقدر ما يسيء إلى موقع الرئاسة ذاته، ويُضعف هيبة الدولة التي يُفترض أن تمثل أعلى درجات الانضباط السياسي.

 

كما أن التعاطي مع حلف ناتو بمنطق التهديد والابتزاز، والحديث المتكرر عن البوارج البريطانية وكأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الصفقات الفورية، يعكس خللاً في فهم طبيعة التحالفات الاستراتيجية. هذه التحالفات لم تُبنَ على لحظة، بل على عقود من التوازن والمصالح المشتركة، وأي عبث بهذا التوازن ينعكس مباشرة على موقع الولايات المتحدة في العالم.

 

أما الهجوم على إسبانيا، الدولة التي اتخذت مواقف متقدمة نسبيًا تجاه القضية الفلسطينية، فهو مؤشر إضافي على اختزال السياسة الخارجية في ردود فعل آنية، بدل قراءتها ضمن سياقها الأوسع. الدول لا تُدار بمنطق المزاج، ولا تُقيّم مواقفها وفق ردود فعل لحظية، بل وفق حسابات استراتيجية طويلة الأمد.

 

وفي جانب لا يقل أهمية، فإن حركات الوجه، والانفعالات المبالغ بها، وطريقة إدارة المؤتمرات الصحفية، كلها تعطي انطباعًا بعدم الاتزان في الأداء القيادي. في علم القيادة، لغة الجسد ليست تفصيلًا، بل جزء من الرسالة. حين تغيب السيطرة على التعبير، يتراجع الشعور بالثقة، ويصبح القائد جزءًا من المشكلة بدل أن يكون مصدر الاستقرار.

 

لكن، ومع كل هذا، لا يمكن اختزال المشهد في شخص واحد فقط. ما يحدث هو انعكاس لحالة أعمق داخل أمريكا نفسها؛ حالة من الاستقطاب الحاد، والانقسام الداخلي، وتراجع دور المؤسسات لصالح الأفراد. جزء من المجتمع وجد في هذا الخطاب تعبيرًا عن غضبه، وجزء آخر تعامل معه كخيار اضطراري في معركة سياسية داخلية، فكانت النتيجة صعود نموذج يختزل الدولة في شخص، والسياسة في خطاب.

 

وهنا تبرز مسؤولية لا يمكن تجاهلها: مسؤولية النخب قبل العامة. أين الجامعات الأمريكية العريقة؟ أين أساتذة العلوم السياسية، ومراكز الدراسات، والمفكرون الذين طالما قدّموا أنفسهم كحراس للعقل النقدي والديمقراطية؟ كيف يُقبل هذا المستوى من الخطاب دون مواجهة فكرية حقيقية؟ كيف يُترك المجال لخطاب يقوم على التكرار والتضخيم دون تفكيك علمي ومنهجي يضعه في حجمه الطبيعي؟ الصمت هنا ليس حيادًا، بل تقصير، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس هذا النموذج، وإهانة للعقل الذي يفترض أن يكون مرجعية المجتمع.

 

المسألة لم تعد فقط في من يتحدث، بل في من يسمع ويصمت، وفي من يملك المعرفة ولا يستخدمها. حين تُهان المعايير الأكاديمية، ويُختزل الوعي العام بخطاب شعبوي، فإن الخطر لا يكون سياسيًا فقط، بل حضاريًا، لأنه يمسّ جوهر فكرة الدولة الحديثة القائمة على العقل والمؤسسات.

 

السؤال الحقيقي لم يعد كيف يتحدث ترامب، بل كيف وصلت دولة بحجم الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة. هل المشكلة في القيادة التي تكرر وتضخم وتهاجم، أم في بيئة سياسية سمحت بذلك، أم في جمهور يمنح الشرعية لمن يخاطب غرائزه لا عقله… أم في نخبٍ اختارت الصمت حين كان يجب أن تتكلم؟

 

ما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في طبيعة القيادة السياسية الأمريكية. وحين تتحول الدولة من نموذج مؤسسات إلى ساحة استعراض، فإن الخطر لا يكون على صورتها فقط، بل على دورها في العالم، وعلى قدرتها على الاستمرار كقوة تقود لا كصوت يعلو… ثم يتكرر حتى يفقد تأثيره.