بين الانتخاب والتعيين… هل نحتاج “استنساخ عماد العزام” لإنقاذ البلديات؟
د. طارق سامي خوري
لأول مرة، أقولها
بصراحة: قد أُخالف فكرة الديمقراطية بالشكل الذي تُمارَس به اليوم في انتخابات
البلديات. ليس لأنني ضد مبدأ الاختيار الشعبي، بل لأن الواقع أثبت أن هذا
الاختيار، في كثير من الحالات، لم يُبنَ على الكفاءة ولا على البرامج، بل على
الواسطة، والمحسوبية، والقرابة، و”ابن العم”، و”ابن المنطقة”… حتى أصبحت البلديات
تُدار بعقلية بالية تُنتج الفشل نفسه في كل دورة.
المشكلة ليست في الناس
فقط، بل في البيئة التي صاغت هذا السلوك. ناخب يُكافئ من يخدمه شخصيًا، لا من يخدم
المدينة. ومرشح يعد بالخدمات الفردية لا بالمشاريع العامة. والنتيجة: بلديات تعمل
بمنطق "خدمة جماعتي”، بينما أصحاب الحق العام خارج الحساب.
وفي المدن الرئيسية
تحديدًا، تتخذ هذه الظاهرة بُعدًا أخطر، إذ غالبًا ما يُبنى الانتخاب على أسس
عشائرية وإقليمية بحتة، لا علاقة لها بالكفاءة أو البرامج. وهذا ينعكس مباشرة على
الأداء، فتُدار الخدمات بنفس المنطق الضيق، وتُوزّع وفق الولاء لا وفق الحاجة،
فتُكرَّس الفجوة بدل أن تُعالَج.
لا توجد محاسبة حقيقية
على الأداء. لا مؤشرات قياس واضحة. لا خطط استراتيجية ملزمة لكل مجلس بلدي طوال
فترة إدارته. ولا رقابة فعّالة من الوزارة المعنية تُحاسِب على الإنجاز أو تُعاقِب
على التقصير. كل ذلك جعل البلديات تتحول إلى عبء إداري ومالي بدل أن تكون أداة
تنمية.
خذوا مثالًا واضحًا:
بلديات كبرى مثل الزرقاء، تعاقب عليها أكثر من رئيس، وتراكمت فيها أخطاء على
أخطاء. رواتب تُدفع لموظفين لا يعملون، بل لا يحضرون أصلًا، تم تعيينهم وفق
اعتبارات عشائرية وانتخابية ومصالح ضيقة. هذه الملايين، لو أُعيد توجيهها لخدمة
المدينة، لكانت الزرقاء اليوم في حال مختلف تمامًا.
لهذا أقول: البلديات
بحاجة إلى ثورة إدارية حقيقية، لا إلى تغيير أسماء. نحن بحاجة إلى رؤساء بلديات
أصحاب خبرة مثبتة، سواء في العمل العام أو في القطاع الخاص، ممن لديهم سجل نجاح
واضح، وقدرة على الإدارة، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية.
نعم، اليوم يُطرح مشروع
قانون جديد لانتخابات البلديات، وهناك رأيان:
إما الإبقاء على انتخاب
الرئيس
أو الاتجاه نحو التعيين
أنا أميل إلى خيار
التعيين… لكن بشروط صارمة لا تحتمل التلاعب:
أن يكون التعيين مبنيًا
على الكفاءة والخبرة والإنجاز، لا على الترضيات، ولا على المحسوبيات، ولا كمكافأة
على مقال أو ظهور إعلامي أو ولاء سياسي. التعيين إن لم يكن مهنيًا، سيُنتج فشلًا
مضاعفًا بدل أن يعالج المشكلة.
نحن لا نحتاج إلى مئات
الأسماء… نحن بحاجة إلى نموذج يُحتذى.
نريد استنساخ تجربة
ناجحة مثل تجربة عماد العزام، وتعميمها على مستوى المملكة. نريد عقلية إدارة، لا
عقلية خدمات شخصية. نريد من يقود البلدية كمؤسسة، لا كديوان.
المعركة اليوم ليست بين
انتخاب وتعيين…
بل بين الفشل
والاستمرار، أو الكفاءة والإنقاذ.
























