نيويورك تايمز: كيف تحولت حرب ترامب إلى عبء سياسي واستراتيجي ثقيل
بدأت المؤشرات السياسية والاقتصادية
تتراكم بسرعة داخل واشنطن، لتكشف أن الحرب التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب لم تعد تُقرأ داخليًا بوصفها استعراضًا للقوة، بل تحولت تدريجيًا إلى عبء
سياسي واستراتيجي ثقيل
فقد أظهرت استطلاعات للرأي أجراها
مستشاره القديم في هذا المجال، توني فابريتسيو، أن التأييد الشعبي للحرب
يتراجع باطراد، في وقت تجاوزت فيه أسعار البنزين أربعة دولارات للغالون، وتراجعت
أسواق المال إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، بينما كان ملايين الأمريكيين يستعدون
للنزول إلى الشوارع احتجاجًا.
كما تأكد مقتل ثلاثة عشر جنديًا
أمريكيًا، وبدأ بعض أبرز أنصار ترامب يوجهون انتقادات علنية لحرب لا تبدو لها
نهاية واضحة. وفي هذا السياق، وجدت رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز نفسها،
إلى جانب مجموعة محدودة من كبار المساعدين، مضطرة إلى إبلاغ الرئيس بحقيقة لا يريد
سماعها: كلما طال أمد الحرب، زادت كلفتها
السياسية، وارتفع احتمال أن تنعكس سلبًا على شعبيته وعلى فرص الجمهوريين في
انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
كان هذا التحذير مزعجًا لترامب.
فالرجل الذي بدأ صباحات كثيرة مؤخرًا بمشاهدة مقاطع فيديو أعدها مسؤولون عسكريون
تُظهر "نجاحات” ميدانية، كان يرى في هذه الحرب فرصة لصناعة إنجاز تاريخي
يُحسب له، بوصفه الرئيس الذي نجح في القضاء على التهديد النووي الإيراني.
غير أن سوزي وايلز، وفقًا لمصادر داخل
البيت الأبيض، كانت ترى أن بعض المحيطين به لا ينقلون إليه الواقع كما هو، بل
يقدّمون له صورة مريحة ومتفائلة أكثر مما ينبغي عن الكيفية التي تُستقبل بها الحرب
داخل الولايات المتحدة. ولذلك، دفعت في اتجاه أن يكون الفريق
أكثر صراحة معه، وأن يضع أمامه بوضوح المخاطر السياسية والاقتصادية المتزايدة.
لقد عكست تلك المناقشات حقيقة بات
البيت الأبيض عاجزًا عن تجاهلها: الوقت يضيق، وثمن الحرب مرشح لأن يصبح أعلى بكثير
مما كان متوقعًا.
فترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض
واعدًا بإنعاش الاقتصاد الأمريكي وإبعاد البلاد عن الحروب الخارجية، وجد نفسه الآن يقود
مواجهة عسكرية لم يحصل أصلًا على تفويض شعبي واضح لخوضها.والأسوأ من ذلك أن الآثار الاقتصادية
لم تكن قد بلغت ذروتها بعد. فبعد شهر واحد فقط من اندلاع أكبر
صدمة نفطية يشهدها العالم الحديث، بدأت توقعات النمو العالمي بالتراجع، وظهرت
بوادر نقص في الإمدادات عبر أوروبا وآسيا، فيما أخذت تحذيرات متداولي الطاقة
تتصاعد من أن العالم لم يشعر بعد بكامل وطأة الاضطراب.
أما إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، وهو
الشريان الرئيسي لعبور النفط والغاز من الخليج، فإن الاقتصاد العالمي قد يجد نفسه
على أعتاب ركود واسع.
في ظل هذه التطورات، بدا ترامب
محبطًا من المأزق الذي وجد نفسه فيه، ومتضايقًا من الانطباعات السلبية المتزايدة
حول الحرب، بل ومتباينًا في الرؤية مع بعض كبار مسؤولي إدارته.
وتشير مصادر تحدثت إليه خلال الأسبوع
الأخير إلى أنه بدأ يبحث فعليًا عن "مخرج” من الحرب، إدراكًا منه أن استمرارها
على هذا النحو قد يضر بالجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر. لكنه، في الوقت نفسه، لا
يريد إنهاء العملية بطريقة تبدو وكأنها تراجع أو اعتراف بالفشل؛ بل يريد أن تنتهي
بوصفها "نجاحًا حاسمًا”. ومن هنا، بدأ أقرب حلفائه يلاحظون أنه يبحث عن معادلة
دقيقة: إعلان نصر سياسي، وقف للقتال، وأمل في أن تستقر الأسواق والاقتصاد قبل أن
تتكرس الخسائر السياسية. وكما قال أحد كبار مسؤولي الإدارة: "هناك نافذة ضيقة جدًا".
هذا التناقض ظهر بوضوح في خطاب ترامب
المتلفز إلى الأمة في الأول من أبريل/نيسان. فقد تحدث بثقة عن "انتصارات” تحققت في
الميدان، وقال إن العملية العسكرية "تقترب من الاكتمال”، لكنه عاد في الوقت نفسه
ليهدد إيران بضربات "عنيفة للغاية” خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ولوّح بتدمير
بنيتها التحتية للطاقة على نحو شامل. وفي ذروة هذا الخطاب التصعيدي، أطلق
عبارته الصادمة: "سنُعيدهم إلى العصر الحجري… حيث
ينتمون".
وفي صباح اليوم التالي، وخلال حديث
هاتفي مع مجلة TIME، أظهر ترامب الثقة نفسها، مؤكدًا أن إيران
باتت راغبة في التوصل إلى اتفاق ينهي القتال. وقال بسخرية واضحة: "ولِمَ لا يتصلون؟
لقد فجّرنا جسورهم الثلاثة الكبرى الليلة الماضية. إنهم يتعرضون للتدمير.
يقولون إن ترامب لا يتفاوض مع إيران،
لكن الحقيقة أن الأمر يبدو مفاوضة سهلة إلى حد ما”. غير أن هذا التباهي العلني كان
يخفي وراءه قلقًا حقيقيًا داخل أروقة الجناح الغربي من أن الأمور بدأت تنزلق خارج
السيطرة.
فقد فوجئ عدد من كبار مسؤولي
الإدارة، وفي مقدمتهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، بحجم واتساع الرد الإيراني. فبدل أن يقتصر رد طهران على ضربة رمزية أو محدودة، كما كان
يُتوقع، جاء واسعًا ومتعدد الجبهات، واستهدف مصالح أمريكية وإسرائيلية في أنحاء
مختلفة من المنطقة، بما في ذلك دول كان يُنظر إليها سابقًا على أنها خارج نطاق
الاستهداف الإيراني، مثل الكويت، والبحرين، والسعودية، والإمارات، وقطر.
وكان الافتراض داخل الإدارة قبل الحرب
يقوم على أن إيران ستكتفي برد محسوب يحفظ ماء الوجه داخليًا من دون الذهاب إلى
مواجهة إقليمية واسعة، استنادًا إلى سوابق سابقة رُئي فيها أن طهران فضّلت ضبط
النفس نسبيًا. لكن هذا التقدير انهار بسرعة. وكما قال شخص مطلع على تفكير هيغسيث:
"لقد فوجئ حقًا… لا شك في ذلك".
ورغم ذلك، يرفض البنتاغون بشدة أي
رواية توحي بأنه أُخذ على حين غرة. فقد أكد المتحدث الرئيسي باسم وزير الدفاع، شون
بارنيل، أن الجيش الأمريكي كان قد أعدّ مسبقًا لكل السيناريوهات المحتملة، من أضعف
رد إيراني إلى أشدها تصعيدًا، وأن لا شيء قامت به طهران شكّل مفاجأة حقيقية للمؤسسة
العسكرية الأمريكية.
وبحسب الرواية الرسمية للبنتاغون، فإن
عملية "الغضب الملحمي” شكّلت نجاحًا عسكريًا واضحًا، إذ جرى تدمير أو تعطيل
نحو 90% من القدرة الصاروخية الإيرانية، وتحييد حوالي 70% من منصات الإطلاق،
وتدمير أو تعطيل أكثر من 150 قطعة بحرية، فضلًا عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي
وعدد من كبار مساعديه.
مع ذلك، فإن ترجمة هذا "النجاح
العسكري” إلى إنجاز سياسي واستراتيجي شامل لا تبدو مهمة سهلة. فالأهداف الكبرى التي تحدث عنها ترامب
— مثل منع إيران نهائيًا من امتلاك سلاح نووي، وتفكيك برنامجها الصاروخي، وإعادة تشكيل
النظام السياسي الإيراني — تبدو أكبر بكثير من أن تتحقق ضمن الجدول الزمني القصير
الذي يحاول البيت الأبيض فرضه.
في خطابه، حاول ترامب أن يقدّم الحرب
كما لو أنها على مشارف الحسم، فقال: "لدينا كل الأوراق، وليس لديهم أي شيء. نحن
على الطريق الصحيح لإنجاز جميع الأهداف العسكرية الأمريكية قريبًا”.
غير أن نهاية الحرب ظلت غامضة. فهو
يتحدث في الوقت نفسه عن تصعيد القتال وإنهائه، ويُبقي معظم الخيارات مفتوحة. وفي
واحدة من أكثر النقاط لفتًا للانتباه، قال لمجلة تايم إنه، رغم انفتاحه على كل
وسائل القوة، لن يسمح أبدًا للذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات قاتلة نيابة عن البشر.
وقال بوضوح: "لن أسمح للذكاء الاصطناعي بأن يفعل ذلك. أنا أحترمه، لكن هذا قرار
يجب أن يتخذه الرئيس — إذا كان كفؤًا”. وخارج هذا القيد الوحيد تقريبًا، بدا أن
القليل فقط من الخيارات مستبعد من حساباته.
هذا النهج يصفه ستيف ويتكوف، مبعوث
ترامب وصديقه القديم، بأنه امتداد مباشر لطريقة ترامب في إدارة الأعمال. فبحسبه، اعتاد
ترامب أن يحتفظ دائمًا بعدة "استراتيجيات خروج”، وألا يحرق كل الخيارات دفعة واحدة،
بل أن يتحرك وهو "يتحسس” طريقه بين البدائل. غير أن هذه الطريقة، التي قد
تنجح في عالم الصفقات، لا تضمن النجاح في الحروب.بل إن الخطر الأكبر، كما يراه بعض
المحيطين به، يتمثل في أن التصعيد العسكري في الأسابيع المقبلة قد لا يفتح له
مخارج جديدة، بل قد يغلق ما تبقى منها.
في بداية التخطيط للحرب، كانت الإدارة
مقتنعة بأنها تمتلك وصفة رابحة. الفكرة كانت بسيطة: توجيه ضربة افتتاحية ساحقة
بحيث لا تجد إيران نفسها أمام خيار سوى رد محدود ومدروس، يكفي لامتصاص الغضب
الداخلي دون أن يجر المنطقة إلى حرب شاملة.
وقد بُني هذا التصور على سوابق سابقة،
من بينها رد طهران على اغتيال الجنرال قاسم سليماني خلال ولاية ترامب الأولى،
وكذلك ردها المحدود نسبيًا بعد الحملة الجوية الأمريكية ضد منشآتها النووية في
يونيو/حزيران 2025. لكن الواقع هذه المرة سار في اتجاه مختلف تمامًا.
فترامب لطالما فضّل ما يسميه مساعدوه
"عمليات الضربة الواحدة”: تدخل سريع، حاسم، محدود زمنيًا، يحقق هدفًا واضحًا ثم
ينتهي. وقد جرّب هذا الأسلوب في اليمن وسوريا
والصومال، بل وحتى — بحسب ما ترويه هذه الرواية — في فنزويلا، حيث رأت دائرته
المقربة أن اعتقال نيكولاس مادورو فتح الطريق أمام شريك أكثر قابلية للتعاون قدّم
نموذجًا مغريًا: إسقاط خصم معادٍ، وتركيب بديل مناسب،
وتأمين المصالح الأمريكية من دون التورط في احتلال طويل أو حرب مفتوحة. وبدا
أن بعض من حوله اعتقدوا أن النموذج نفسه يمكن أن يتكرر مع إيران.
لكن بنيامين نتنياهو، الذي ظل يدفع منذ
أشهر باتجاه توسيع المواجهة مع إيران، كان يحمل تصورًا أكثر جذرية. فبحسب مسؤولين
إسرائيليين، كان نتنياهو يرى أن الضربات السابقة ضد إيران ينبغي أن تكون مجرد
مقدمة لحملة أخيرة وحاسمة. وفي اجتماع خاص عقده مع ترامب في
واشنطن في 11 فبراير/شباط، استمر لساعات، حاول إقناعه بأن الفرصة التاريخية
قد حانت "لإنهاء ما بدأوه”. وكان جوهر الرسالة الإسرائيلية أن
إيران لم تعد قابلة للاحتواء، وأنها ستسعى في كل الأحوال إلى امتلاك سلاح نووي
سرًا، وأن الحل الوحيد هو ضربها قبل أن تفعل.
وبالفعل، بدأت خطة الهجوم تتبلور
قبل التنفيذ بأسابيع، وسط تنسيق أمريكي-إسرائيلي وثيق.وعندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز بعض
تفاصيل التحضيرات، انفجر ترامب غضبًا، وراح يهاجم مساعديه بسبب التسريبات. وبعدها
تعمد تضليل الإعلام والرأي العام بشأن موعد اتخاذ القرار، إذ قال علنًا إنه سيحسم
أمر الضربات خلال "عشرة إلى خمسة عشر يومًا”، بينما كان قد اتخذ القرار فعليًا
بتنفيذها في وقت أقرب بكثير. وكان الهدف، بحسب أحد مسؤولي البيت الأبيض، هو
التمويه وحماية العملية.
وقد بلغ هوس ترامب بمنع
التسريبات حدًّا جعله يناور حتى مع بعض مساعديه.ففي 27 فبراير/شباط، وخلال وجوده في
مارآلاغو، عقد اجتماعًا في غرفة عمليات مؤقتة، لكنه انزعج من عدد الحاضرين،
معتبرًا أن بعضهم لا يعرفهم جيدًا أو لا يثق بهم بما يكفي. وفي لحظة ما، أعلن فجأة
أن العملية قد أُلغيت وأنه سيواصل التفكير. لكن هذا لم يكن إلا مناورة أخرى. فبعد
أن غادر معظم الحاضرين، استدعى حلقة أضيق من المقربين الذين أرادهم إلى جواره لحظة
بدء القصف، لأنه كان قد حسم أمره بالفعل.
وفي تلك الليلة، تناول ترامب العشاء
في مارآلاغو مع مجموعة صغيرة ضمت ستيفن ميلر، وماركو روبيو، وستيف ويتكوف،
ومستشاره القانوني ديفيد وارينغتون، بينما كان نائب الرئيس فانس في واشنطن.
وتشير المصادر إلى أن فانس كان من
أكثر الأصوات اعتراضًا على العملية العسكرية، وإن كان قد التزم لاحقًا بدعم القرار
بمجرد صدوره. وقد لخّص ترامب الموقف بطريقته المباشرة عندما قال لمن كانوا حوله:
"جيه دي فانس لا يحب هذا إطلاقًا… لكن عندما يُتخذ القرار، يصبح قرارًا، أليس
كذلك؟”
ثم انطلقت عملية "الغضب الملحمي”
بضربة افتتاحية واسعة أودت بحياة المرشد الأعلى الإيراني.إلا أن ما تلا ذلك لم يكن كما خطط له
البيت الأبيض. فقد ردت طهران على نطاق إقليمي واسع، عبر هجمات صاروخية ومسيّرات
استهدفت قواعد أمريكية في العراق وسوريا، وقصف مدن إسرائيلية، ومضايقة حركة
الملاحة في الخليج، فضلًا عن هجمات منسقة نفذتها شبكاتها ووكلاؤها في المنطقة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذا الرد
الواسع أصاب عددًا من المسؤولين الأمريكيين بالذهول، لأنهم أدركوا فجأة أن
الولايات المتحدة لم تعد أمام "ضربة خاطفة” بل أمام حرب حقيقية متعددة المسارات.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد. إذ
لجأت إيران إلى واحدة من أخطر أوراقها الجيوسياسية: السيطرة على مضيق هرمز. فقد
فرضت عمليًا حصارًا عليه، وأعلنت أن المرور فيه لن يكون ممكنًا الا للسفن غير
المعادية. وكانت النتيجة صدمة اقتصادية سريعة وعنيفة تجاوزت توقعات الحلقة الضيقة
المحيطة بترامب. ومع ارتفاع أسعار الوقود، حاول الرئيس الأمريكي إعادة تأطير
الكلفة الاقتصادية بوصفها "عبئًا مؤقتًا” لا بد منه من أجل إزالة خطر إيران النووي.
ومن المفارقات أن ترامب رأى في الرد
الإيراني العنيف أيضًا فرصة سياسية، لأنه اعتقد أنه يثبت روايته القائلة إن
الجمهورية الإسلامية تشكل تهديدًا مزمنًا للاستقرار الإقليمي. وقد قال لمجلة تايم
في اتصال هاتفي في 4 مارس/آذار: "الآن بعد أن رأيتم كيف تصرفوا خلال اليومين
الماضيين ضد دول أخرى في المنطقة، كانوا سيمحونهم جميعًا”.
ومع ذلك، ظل مستشاروه قلقين من أن
تؤدي الحرب إلى تنفير جزء من قاعدته السياسية، خصوصًا أولئك الذين التفوا حوله
لأنه وعدهم بألا يورط الولايات المتحدة في حروب جديدة في الخارج، ولأنه بنى عودته
إلى السلطة عام 2024 على خطاب اقتصادي يَعِد بالاستقرار وانخفاض الكلفة المعيشية.
أما الآن، فإن ارتفاع أسعار الوقود والسلع بات يهدد مباشرة بعضًا من أهم وعوده
الانتخابية.
وهنا وجد ترامب نفسه أمام معضلة
كلاسيكية لكنها قاسية: هو يريد إنهاء الحرب، لكنه لا يريد إنهاءها قبل أن يحقق
أهدافًا تمنع إيران نهائيًا من الاقتراب من السلاح النووي.وفي الوقت نفسه، كان بعض مسؤولي
الأمن القومي يحذرون من أن مواصلة الضربات بهذا الشكل قد تدفع طهران، لا إلى
التراجع، بل إلى الاقتناع بأن امتلاك القنبلة النووية هو الضمانة الوحيدة لمنع
تكرار ما تتعرض له. وكما قال أحد مسؤولي البيت الأبيض:
"الطريقة الوحيدة التي قد يقتنعون بها لمنع تكرار شيء كهذا هي أن يمتلكوا سلاحًا
نوويًا”. ولهذا، صار العبء على واشنطن أكبر في التوصل إلى اتفاق ملموس، قابل
للتنفيذ، يمنع إيران بوضوح من تجاوز العتبة النووية.
ومع استمرار القتال، بدأ ترامب يُظهر
— ولو على نحو محدود — نوعًا من الاعتراف بصلابة خصمه. فقد قال عن
الإيرانيين: "إنهم شديدو الصلابة… قادرون على تحمل قدر هائل من الألم”. ثم أضاف
جملة تكشف شيئًا من نظرته البراغماتية لهم: "أعتقد أنهم أفضل في التفاوض منهم في
القتال".
لكن التحدي الأكبر الذي بات
يواجه الإدارة يتمثل في كيفية إيجاد "مخرج” من الحرب من دون أن يبدو أن
الولايات المتحدة حققت أقل مما وعدت به. أما فكرة هندسة نظام بديل في طهران
أكثر استقرارًا وقربًا من الغرب، فقد بدت أعقد بكثير مما كان ترامب يتصور. فالحرب
أخذت، بحسب وصف أحد مسؤولي الإدارة، شكل لعبة قاتمة من "اضرب الخلد”، حيث يتم
التخلص من قيادات متعاقبة بينما يظل البحث جارياً عن بديل سياسي قابل للحياة يمكن
أن يخرج من تحت الأنقاض.
وفي حديث سابق مع تايم في مطلع
مارس/آذار، كان ترامب أكثر صراحة في الحديث عن تغيير النظام، إذ قال إنه يريد
أن يكون له دور في "اختيار” القائد الإيراني الجديد، مضيفًا أن الإيرانيين يمكنهم
أن يختاروا، "لكن علينا أن نتأكد من أنه شخص معقول بالنسبة إلى الولايات المتحدة”. غير أن هذا الهدف بدا لاحقًا بعيد المنال، إلى درجة أنه عاد في
خطاب 1 أبريل/نيسان ليقول — على نحو يناقض تصريحاته السابقة — إن تغيير النظام لم
يكن الهدف أصلًا.
وفي كل الأحوال، فإن الرهان داخل
الإدارة بات يقوم على أن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وقطع رأس بنيتها
القيادية، قد يمنعها من امتلاك سلاح نووي، ويفكك برنامجها الصاروخي، ويفتح المجال
لتحولات داخلية. إلا أن هذا الرهان هو الآخر محفوف
بالمخاطر، لأن الإيرانيين العاديين في معظمهم غير مسلحين، ويواجهون جيشًا قادرًا
على استخدام قوة ساحقة ضد شعبه إن لزم الأمر.
ويقول محللون مستقلون إن إعادة فتح
مضيق هرمز قد لا تكون ممكنة إلا عبر واحد من خيارين كلاهما بالغ الصعوبة: إما تدخل
عسكري طويل الأمد على الأرض، أو تسوية تفاوضية تُنهي القتال.
وفي هذه الأثناء، يميل كل من نتنياهو وولي
العهد السعودي محمد بن سلمان إلى إطالة أمد الحرب، باعتبارها فرصة نادرة
لإضعاف خصم مشترك. لكنهم، في الوقت نفسه، يدركون أن سقف
هذه الحرب وحدودها النهائية ما زالت في يد ترامب وحده. وقد لخّص ترامب هذه
المعادلة بطريقته المعتادة عندما قال عن الإسرائيليين: "سيفعلون ما أطلبه منهم. لقد كانوا
شركاء جيدين. سيتوقفون عندما أتوقف أنا. سيتوقفون ما لم يتعرضوا لاستفزاز،
وعندها لن يكون أمامهم خيار. لكنهم سيتوقفون عندما أتوقف أنا”.
وفي نهاية المطاف، يظل سؤال
الانتخابات المقبلة حاضرًا فوق كل قرار يتخذه ترامب: كيف ستؤثر هذه الحرب على
نتائج نوفمبر؟ وماذا ستعني تلك النتائج لما تبقى من رئاسته؟ بعض مستشاريه بدأ
يلاحظ نبرة استسلام جزئي في حديثه الخاص، إذ يكرر أحيانًا أن الحزب الحاكم غالبًا
ما يخسر مقاعد في انتخابات التجديد النصفي. وكأن الرجل، وسط رهانات الحرب، بدأ
يشعر بثقل التاريخ وهو يقترب منه. لكن التاريخ الأمريكي نفسه يذكّر أيضًا بحقيقة
أكثر قسوة: أن أسوأ ما قد يواجهه الرئيس الذي يقود بلاده إلى الحرب ليس فقط خسارة
الانتخابات، بل ما هو أكبر من ذلك بكثير.
بقلم: إريك كورتيلِسّا
2أبريل/نيسان
2026
المصدر: مجلة تايم الأمريكية
نقلا عن موقع البابور العربي























