حرب استنزاف امريكا في ايران: كيف يستفيد التنين الصيني استراتيجيا
سعيد زياد *
أطلقت
الولايات المتحدة 2400 صاروخ اعتراض من طراز "باتريوت" خلال 31 يوماً
فقط، في حين أنها تُنتج 650 صاروخاً سنوياً؛ ما يعني أن تعويض ما فُقد بمعدلات
الإنتاج الحالية يستغرق ثلاث سنوات ونصف.
كما استهلكت 40% من
مخزونها العالمي من صواريخ "ثاد"
(THAAD)،
وهي تنتج أقل من 100 صاروخ منها سنوياً، ما يتطلب أربع إلى خمس سنوات لإعادة الملء
بالكامل.
كل
صاروخ من هذه الصواريخ يحتوي على مغناطيسات من "النيوديميوم"
و"الساماريوم-كوبالت" يتم توريدها من سلاسل توريد تسيطر عليها الصين.
أما مخزون الدفاع الأمريكي من المعادن الأرضية النادرة، فلا يكفي إلا لشهرين
تقريباً.
اقرأ
هذه الأرقام مرة أخرى: لقد استهلك الجيش الأمريكي من أسلحة الدقة في شهر واحد ما
يفوق قدرته على التصنيع في ثلاث سنوات، وذلك باستخدام مواد لا يمكنه الحصول عليها
إلا من الدولة التي قد يضطر لمحاربتها في المرة القادمة.
استنزاف الردع
كل
صاروخ "باتريوت" يُطلق لاعتراض صاروخ "فتاح-2" إيراني فوق
الرياض، هو صاروخ لن يكون موجوداً لمواجهة صاروخ "DF-21" صيني فوق مضيق تايوان. وكل مغناطيس من المعادن النادرة يُستهلك في
اعتراضات الخليج، هو مغناطيس لن يُركّب في البديل المصنّع لمنطقة المحيط الهادئ.
إن حرب إيران لا تكتفي باستنزاف الترسانات الأمريكية فحسب، بل هي تستنزف الردع
الأمريكي ضد الصين. والصين هي التي تراقب وترصد استهلاك هذه الصواريخ من كلا
الجانبين؛ بصفتها المورد للطرفين، والخصم المستقبلي، والوسيط الذي يستضيف محادثات
السلام في بكين الآن.
الصين:
المورد والمستفيد
*
تسيطر الصين على 90% من تكرير المعادن الأرضية النادرة.
*
تنتج الصين 90% من المغناطيسات عالية الأداء في العالم.
*
تشتري الصين ما بين 80% إلى 91% من صادرات النفط الإيرانية.
*
توفر الصين نظام الملاحة "بيدو"
(BeiDou) ووقود "بيركلورات
الأمونيوم" للصواريخ الإيرانية التي تجبر الولايات المتحدة على حرق مخزونها
من الصواريخ الاعتراضية.
الصين
هي المورد للأسلحة التي تستخدمها أمريكا، والمورد للأسلحة التي تستخدمها إيران،
والمشتري الرئيسي للنفط الذي تعرقله الحرب، وهي الدولة الوحيدة التي تملك النفوذ
لإنهاء هذا الاضطراب.
المقايضة الكبرى
حسابات
"الصفقة الكبرى" ليست معقدة:
*
أمريكا بحاجة للمعادن النادرة الصينية لإعادة بناء مخزونها الصاروخي.
*
الصين بحاجة لبقاء مضيق هرمز مفتوحاً لاستقبال النفط الإيراني.
*
أمريكا بحاجة لإنهاء الحرب قبل أن يصل مخزونها إلى الصفر.
*
الصين بحاجة لتخفيف التعريفات الجمركية، والتراجع عن قيود تصدير أشباه الموصلات،
وتقييد مبيعات الأسلحة لتايوان.
كلا
الجانبين يحتاج لشيء لا يملكه إلا الطرف الآخر. السؤال ليس "هل ستحدث
الصفقة؟"، بل "كم سيتم مقايضته من موقع أمريكا الاستراتيجي في المحيط
الهادئ مقابل المعادن اللازمة للبقاء في الخليج؟".
التبعية الحضارية
قدرت
مؤسسة "راند"
(RAND) أن 78% من مقاولي
الدفاع الأمريكيين سيواجهون توقفاً في الإنتاج في غضون 90 يوماً إذا قطعت الصين
المعادن الأرضية النادرة. كما أن الموعد النهائي (عام 2027) لحظر المغناطيسات
صينية المصدر في مشتريات البنتاغون سيهلّ بعد تسعة أشهر، ولا يوجد بديل محلي على
نطاق واسع. حتى شركة"MP Materials" التي تدير منجم المعادن النادرة الوحيد في أمريكا، تشحن مركزاتها
إلى الصين لمعالجتها.
إن
سلسلة التوريد (من المنجم إلى المغناطيس) التي يحتاجها البنتاغون للصمود في أي
صراع محتمل حول تايوان، تمر عبر الدولة التي صُمم هذا الردع لمواجهتها أصلاً.
هذه
ليست مشكلة سلاسل توريد؛ إنها "تبعية حضارية". لقد بنت الولايات المتحدة
أقوى جيش في التاريخ البشري على مواد تُعالج لدى منافسها الاستراتيجي الرئيسي. وهي
الآن تخوض حرباً تستهلك هذه المواد بمعدل يجعل التعويض مستحيلاً دون تعاون هذا
المنافس. وهذا المنافس يجلس اليوم في غرفة الاجتماعات في بكين، يحسب بدقة كم يمكنه
انتزاعه من "مستقبل أمريكا" مقابل المعادن التي تحتاجها أمريكا ليكون
لها مستقبل أصلاً.
صفقة
القرن ليست خياراً.. إنها حسابات رياضية، وكل الحسابات تؤدي إلى بكين.
·
كاتب ومحلل فلسطيني























