ضرورة تجديد النخبة السياسية في الأردن: دروس الماضي لضمان عبور المستقبل
بقلم: د. أحمد زياد أبو
غنيمة
(إضاءة:
نبعت فكرة هذا المقال من صميم دراستي الأكاديمية لدرجة الماجستير في العلوم
السياسية، والتي سعيتُ من خلالها كباحث إلى الغوص في آليات صناعة النخبة الأردنية
وتطورها تاريخياً).
****
لم يكن صمود الدولة
الأردنية وسط إقليم تعصف به الانقلابات والحروب والأيديولوجيات الراديكالية طيلة
القرن الماضي مجرد صدفة جغرافية أو حظٍ تاريخي، بل كان ثمرة لعملية "هندسة
سياسية واجتماعية" بالغة الدقة والتعقيد.
لقد أدرك العقل العميق
للدولة، وتحديداً في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال (1952 - 1999)، أن جدار
الحماية الأول للدولة الأردنية لا يقتصر على القوة العسكرية فحسب، بل يكمن في
مرونة وديناميكية "النخبة السياسية" القادرة على إدارة التناقضات
وامتصاص الأزمات.
****
بالعودة إلى دفاتر
التاريخ، نجد أن الدولة الأردنية في الخمسينيات والستينيات لم تركن إلى "نخبة
مغلقة" أو طبقة أرستقراطية معزولة عن نبض الشارع؛ بل اعتمد النظام السياسي
آلية عبقرية عُرفت بـ "دوران النخبة" و"الاحتواء اللاعنفي".
لقد كانت مؤسسات الدولة
بمثابة مصاعد اجتماعية وسياسية مفتوحة؛ حيث رأينا كيف استطاعت الدولة استقطاب أشرس
معارضيها الأيديولوجيين من حزبيين، ويساريين، وقوميين، بمن فيهم أولئك الذين حاولوا
الانقضاض على النظام السياسي، لتقوم بتفريغ طاقاتهم الراديكالية، ومن ثم إعادة
تأهيلهم ليصبحوا وزراء وسفراء ورجالات دولة يبنون مؤسساتها.
****
لعل التجسيد الأبرز
لهذه الآلية يتضح في حقبة الستينيات مع حكومات الشهيد وصفي التل؛ حين اتخذت الدولة
قراراً سيكولوجياً وسياسياً شجاعاً بـ "إحراق الملفات الأمنية"
للمعارضين وإصدار قانون العفو العام. لم يكن ذلك مجرد تسامح، بل كان "تجنيداً
سياسياً" ذكياً، أنتج نخبة تكنوقراطية-وطنية صلبة استطاعت العبور بالدولة في
أصعب مراحلها.
وحتى في محطات التحول
الديمقراطي عام 1989، أثبتت الدولة قدرتها على إعادة تدوير النخبة البيروقراطية
واستيعاب المعارضة تحت قبة البرلمان لضمان استقرار العقد الاجتماعي.
****
أما اليوم، ونحن نقف
أمام مشهد وطني وإقليمي بالغ التعقيد، تبرز الحاجة الماسة إلى قراءة هذه الدروس
التاريخية بعين نقدية.
إن المتأمل في بنية
النخبة السياسية الحالية يُدرك أن بعض الآليات التي استُخدمت سابقاً لضمان
الاستقرار قد بدأت تستنفد أغراضها، فظاهرة "التوريث السياسي" (بشقيه
العمودي والأفقي)، والاعتماد المفرط على إعادة تدوير ذات الوجوه البيروقراطية
لتولي المناصب السيادية، ربما وفرت ضمانات ولاء تقليدية في العقود الماضية، إلا
أنها اليوم تساهم في توسيع الفجوة بين "مطبخ القرار" وبين جيل شاب يشكل
الغالبية الساحقة من المجتمع الأردني، جيل يمتلك أدوات تواصل ووعياً مختلفاً
تماماً.
****
إن التحديات الاقتصادية
الخانقة، وثورة الاتصالات، ومتطلبات العولمة، لم تعد تقبل بآليات فرز تعتمد حصرياً
على الروابط القرابية أو العلاقات الشللية الضيقة.
لقد أدى الركون إلى
"الاستنساخ النخبوي" إلى حالة من التكلس في إنتاج الحلول الإبداعية
للأزمات الوطنية، وتراجعٍ في قدرة المؤسسات التشريعية والتنفيذية على أداء دورها
كـ "مصدات أمان" تمتص غضب الشارع وتوجه طاقاته.
****
ولعل الشرط الأساس
لضمان نجاح مسار التحديث السياسي المنشود، يكمن في ضرورة مغادرة المقاربة الأمنية
في فرز النخب أو فرضها قسراً على المشهد العام.
إن إعادة الاعتبار
الحقيقي للمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، يتطلب
رفع كافة أشكال الوصاية أو الهندسة المسبقة عنها، لتتمكن من استعادة دورها الطبيعي
والحيوي كرافعات للعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فحين تُترك هذه الحواضن
لتعمل بحرية وتتنافس ببرامجها، فإنها ستتحول تلقائياً إلى "مصافٍ وطنية"
قادرة على فرز نخب حقيقية وعضوية، تمثل وجدان المجتمع الأردني وطموحاته بصدق،
وتستمد شرعيتها من قواعدها الشعبية بدلاً من استمدادها من التزكيات في الغرف
المغلقة.
****
إن الأردن القوي هو
الأردن القادر على التجدد. ومثلما نجح جلالة الملك الحسين في تحويل خصوم الأمس إلى
بناة للوطن، ونجح في مزج شرعية العشيرة بقوة الجيش وحداثة التكنوقراط، فإن عبور
الأردن نحو مئويته الثانية يتطلب ولادة "نخبة وطنية جديدة"؛ نخبة لا ترث
المناصب بالقرابة أو المحسوبية أو عبر المقاربات الأمنية، بل تنتزعها بالكفاءة
والبرامج، وتكون قادرة على إعادة ترميم جسور الثقة مع المجتمع، ومؤهلة لحماية
سيادة الأردن وازدهاره في عالم لا يرحم الضعفاء أو المتكلسين.
والله من وراء القصد

























