لنكن أكثر مهنية
كتبت شيرين قسوس
إن الموظف الذي أنهى
دوامه ودخل منزله يجب أن يكون في مساحة آمنة من أي اتصال أو رسالة تخص العمل، حتى
وإن كان الأمر مجرد سؤال عابر أو استفسار بسيط. فالرسالة المهنية بعد انتهاء ساعات
العمل ليست مجرد كلمات على شاشة هاتف، بل امتداد نفسي لضغط الوظيفة، واستدعاء غير
مباشر للعقل كي يعود إلى حالة التأهب والتفكير والقلق. ومع تكرار هذا السلوك تتآكل
الحدود بين الحياة والعمل، فيفقد الإنسان شعوره بالراحة، ويعيش حالة استنزاف دائمة
تجعله حاضراً جسدياً مع عائلته وغائباً ذهنياً عنها.
ولا يعني تطبيق هذا
المبدأ أن الموظف غير قادر على العمل تحت الضغط أو تحمّل المسؤوليات الكبيرة، فكل
وظيفة تحمل بطبيعتها قدراً من الضغوط والتحديات، والموظف المحترف يستطيع التعامل
معها بكفاءة داخل إطار العمل الرسمي. لكن احترام خصوصية الموظف خارج أوقات الدوام
هو حق مكتسب يهدف إلى الحفاظ على طاقته النفسية والذهنية، وضمان استمرارية عطائه
دون إنهاك أو استنزاف دائم. فالراحة ليست دليلاً على ضعف الالتزام، بل وسيلة
ضرورية لاستعادة التوازن وتجديد القدرة على الإنتاج.
إن المؤسسات التي تحترم
خصوصية موظفيها تبني بيئة أكثر استقراراً وعدالة وإنتاجية. فالموظف الذي يحصل على
وقت حقيقي للراحة يعود إلى عمله أكثر تركيزاً وهدوءاً وقدرة على الإبداع واتخاذ
القرار، بينما يؤدي انتهاك الخصوصية المستمر إلى الإرهاق النفسي والاحتراق
الوظيفي. كما أن احترام الوقت الشخصي يخلق علاقة صحية بين الموظف والعمل تقوم على
الثقة لا على الخوف، وعلى الالتزام المهني لا على الملاحقة الدائمة.
وليس من الحكمة أن
تُقاس كفاءة الموظف بمدى استجابته الليلية للاتصالات أو بسرعة رده على الرسائل بعد
انتهاء الدوام، لأن هذا السلوك يرسخ ثقافة غير صحية تجعل الحياة الخاصة امتداداً
مفتوحاً للمكتب. المؤسسات المتقدمة اليوم تدرك أن جودة العمل لا تتحقق عبر استنزاف
الإنسان، بل عبر المحافظة على توازنه النفسي والاجتماعي. ولهذا بدأت كثير من الدول
والشركات الكبرى بتطبيق قوانين تمنح الموظف "حق الانفصال” عن العمل خارج ساعات
الدوام، باعتبار أن الراحة ليست امتيازاً بل جزء من حقوق الإنسان المهنية.
ومن هنا اقول أن
الإنسان لا يعيش ليعمل فقط، بل يعمل كي يحيا حياة متوازنة تحفظ إنسانيته وكرامته
وعلاقاته ومشاعره. العمل ضرورة لبناء المجتمع، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى
سلطة تقتحم خصوصية الفرد وتسلبه حقه في السكون. إن البيت ليس فرعاً إضافياً
للمؤسسة، والهاتف الشخصي ليس مكتباً متنقلاً على مدار الساعة. وعندما تفهم
المؤسسات هذه الحقيقة، فإنها لا تحمي الموظف وحده، بل تحمي جودة العمل نفسها، لأن
العقل المرهق لا يبدع، والإنسان المستنزف لا يستطيع أن يمنح أفضل ما لديه.
إن تطبيق هذا المبدأ
داخل مؤسسات الدولة بكامل الجدية والمعايير سيؤدي إلى رفع مستوى الرضا الوظيفي،
وتقليل التوتر والخلافات، وزيادة الانضباط والإنتاجية، كما سيعزز صورة المؤسسة
بوصفها بيئة تحترم الإنسان قبل الوظيفة. فكل مؤسسة تنجح في حماية التوازن بين
العمل والحياة، تنجح في بناء موظف أكثر ولاءً واستقراراً وقدرة على العطاء، لأن
الاحترام حين يُمنح للإنسان يعود على العمل بأفضل النتائج وأكثرها استدامة.
























