شريط الأخبار
راتب لا يكبر… وحياة تسحق أصحابها بصمت فتح باب التقديم لبرنامج تدريب 250 مهندساً من حديثي التخرج الإتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على مستوطنين لاعتداءاتهم ضد الفلسطينيين إسرائيل تُبعد الأب لويس سلمان عن فلسطين.. والقرار يثير غضبًا فلسطينيا واسعًا طهران تتمسك بمواقفها.. وترامب يرفض ردها على مقترح وقف الحرب 42 عامل وطن في بلدية جرش بلا رواتب منذ 4 أشهر الحريات النيابية تبدأ بإعداد مذكرة للمطالبة بعفو عام الملك يزور قيادة المنطقة العسكرية الشرقية ويشيد بجهود مرتباتها في حماية الحدود "القدس الدولية" تطالب بشد الرحال للاقصى الخميس والجمعة بذكرى احتلال القدس كواليس فشل خطة دخول الأكراد المُسلحين أمريكيًا لإسقاط النظام الايراني مقتل جندي احتلال واصابة 3 بمفخخات مسيرة لحزب الله العيسوي: الأردن بقيادة الملك يواصل تعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي بثبات واتزان "الوطنية الشعبية" تدعو الحكومة الى خفض الضرائب على المشتقات النفطية "صناعة عمان" والغرفة الأوروبية للتجارة يبحثان آليات تعزيز الصادرات الى أوروبا زين تواصل دعم استدامة شجرة الملّول في غابات اليرموك توقيف موظفين بشبهة اختلاس بوزارة المالية فرص تدريبية نوعية لطلبة الجامعات عبر برنامج مسار للامن السيبراني إضاءات على المعارضة السياسية الأردنية منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن 1921م - (الجزء الأول) 492 مليون دينار صادرات تجارة عمّان بالثلث الأول للعام الحالي التشريع والرأي ينشر مسودة قانون الإدارة المحلية (نص القانون)

راتب لا يكبر… وحياة تسحق أصحابها بصمت

راتب لا يكبر… وحياة تسحق أصحابها بصمت


بقلم: زياد فرحان المجالي * 

خرجت من الخدمة عام 2016، وكنت أتقاضى من الضمان الاجتماعي ما يقارب 520 دينارًا. لم يكن ذلك المبلغ ثروة، ولم يكن يفتح أبواب الرفاه، لكنه كان قادرًا على أن يسند بيتًا، ويغطي جزءًا محترمًا من احتياجات الحياة، ويمنح الإنسان شيئًا من الطمأنينة بعد سنوات من العمل والخدمة والتعب. أما اليوم، وبعد عشر سنوات تقريبًا، فإن الرقم نفسه لم يعد الرقم نفسه. بقي كما هو على الورق، لكنه في السوق انكسر، وفي جيب صاحبه تآكل، وفي حياة الناس صار أقل بكثير مما كان.

 

هذه ليست شكوى شخصية، ولا قصة رجل واحد خرج من الخدمة ووجد نفسه أمام حياة أصعب مما توقع. هذه حكاية شريحة كاملة من الناس: موظفون سابقون، عسكريون، مدنيون، عاملون، مغتربون عادوا إلى بلدهم، وأصحاب ضمان اجتماعي يعيشون على رواتب ثابتة في زمن لا يثبت فيه شيء إلا راتبهم. كل شيء ارتفع: البنزين، الخبز، الدواء، الكهرباء، الإيجارات، المدارس، العلاج، الصيانة، والالتزامات اليومية. وحده دخل المواطن بقي واقفًا مكانه كأنه لا يرى ما يجري حوله.

 

المشكلة ليست في الراتب وحده، بل في طريقة التفكير الحكومية التي تتعامل مع الناس كأرقام في جدول، لا كبشر لهم بيوت وأبناء وكرامة واحتياجات. كأن من خرج من الخدمة انتهت قصته، وكأن من أصبح على راتب ضمان محدود لم يعد جزءًا من معركة الحياة اليومية. لكن الحقيقة أن المعركة تبدأ من هناك، من اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن عمره الذي قضاه في العمل لم يحمِه من القلق، وأن راتبه الذي كان مقبولًا قبل سنوات صار اليوم عاجزًا عن مواجهة أبسط تفاصيل المعيشة.

 

أنا أتحدث عن نفسي لأن تجربتي تشبه تجربة آلاف غيري. خرجت من الخدمة، واغتربت، وعملت، وتعبت، وحاولت أن أؤمن لنفسي ولعائلتي حياة كريمة. لكن الواقع اليوم يقول إن من يصل إلى عمر معين يصبح محاصرًا من كل الجهات. الوظائف صعبة، والعمل الحر لم يعد حرًا كما يتخيله البعض، والعمر يتحول إلى تهمة في سوق العمل. من يريد أن يشغلك يبدأ بالسؤال عن سنك قبل خبرتك، وعن قدرتك على التحمل قبل كفاءتك، وأحيانًا يريدك عاملًا بلا حقوق، أو موظفًا بلا ضمان، أو إنسانًا يقبل بأي شيء فقط لأنه محتاج.

ثم يأتي من خلف المكاتب من يحدثنا عن "الغد الأفضل”. منذ سنوات ونحن نسمع العبارة نفسها: الغد أفضل، الإصلاح قادم، النمو قادم، الفرص قادمة، والحماية الاجتماعية تتطور. لكن المواطن لا يأكل وعودًا، ولا يملأ خزان سيارته من البيانات الرسمية، ولا يدفع فاتورة الكهرباء من التصريحات. المواطن يريد أن يرى فرقًا في حياته، لا في نشرات الأخبار. يريد أن يشعر أن الدولة تراه، لا أنها تتذكره فقط عند الجباية والرسوم والضرائب.

خذوا مثالًا بسيطًا من حياتي. كنت أملأ خزان سيارتي، وهي هوندا أكورد، بنحو سبعة دنانير في وقت سابق. اليوم يحتاج الخزان إلى ما يقارب خمسين دينارًا. هذا المثال وحده يكفي لشرح الكارثة. السيارة هي السيارة، والإنسان هو الإنسان، لكن الحياة تضاعفت كلفتها مرات، بينما الراتب بقي كأنه يعيش في زمن آخر. البنزين وحده صار يبتلع جزءًا مؤلمًا من الدخل، فكيف بمن لديه بيت؟ كيف بمن لديه أبناء؟ كيف بمن يحتاج دواءً؟ كيف بمن يريد أن يبقى عزيز النفس ولا يمد يده لأحد؟

 

هنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح: الحكومة تتحمل المسؤولية. ليست وحدها مسؤولة عن كل أزمة في العالم، ولا عن كل حرب حولنا، ولا عن كل ارتفاع عالمي في الأسعار، لكنها مسؤولة عن حماية مواطنيها من أن يتحولوا إلى ضحايا دائمين لكل موجة غلاء. مسؤولة عن أن تراجع رواتب الضمان والتقاعد مراجعة عادلة. مسؤولة عن ربط الرواتب بالتضخم. مسؤولة عن أن تفهم أن 520 دينارًا في عام 2016 ليست 520 دينارًا في عام 2026. الرقم نفسه قد يبقى ثابتًا في الحسابات، لكنه في الحياة اليومية ينهار.

والأخطر من الغلاء هو برودة التفكير الرسمي. هناك من يدرس المخاطر، ويضع الخطط، ويصوغ العبارات الجميلة، لكنه لا يعيش ما يعيشه المواطن. لا يعرف ماذا يعني أن تنظر إلى راتبك في أول الشهر فتجده موزعًا قبل أن يصل: بنزين، كهرباء، ماء، دواء، ديون، أقساط، مصاريف بيت. لا يعرف ماذا يعني أن تخجل من طلب المساعدة، وأن تكتم وجعك لأن كرامتك أكبر من حاجتك. لا يعرف ماذا يعني أن تشعر بأن الدولة تطلب منك الصبر دائمًا، لكنها لا تصبر يومًا على تأخير دفعك لما عليك.

نحن لا نطلب منّة، ولا صدقة، ولا عطفًا موسميًا. نطلب حقًا واضحًا: أن يعيش راتب الضمان مع الزمن، لا أن يبقى أسير تاريخ قديم. نطلب آلية سنوية عادلة تربط رواتب الضمان والتقاعد بالتضخم الحقيقي، لا بالتقديرات الباردة. نطلب رفع الحد الأدنى للرواتب الضعيفة. نطلب مراجعة أوضاع من خرجوا مبكرًا من الخدمة ووجدوا أنفسهم عالقين بين عمر لا يساعدهم على التوظيف وراتب لا يكفيهم للحياة. نطلب أن يُعامل الإنسان الذي خدم وعمل وتعب باعتباره مواطنًا يستحق الكرامة، لا عبئًا ماليًا يجب تجاهله.

البلد يمر بظروف صعبة، نعم. الحرب حولنا تضغط، والأسواق تتأثر، والغلاء عالمي ومحلي، والفرص تضيق. لكن صعوبة الظرف لا يجوز أن تكون شماعة دائمة لتعليق معاناة الناس عليها. في الأزمات تظهر قيمة الدولة، وفي الضيق يظهر معنى الإدارة، وفي الغلاء يُختبر صدق الحديث عن العدالة الاجتماعية. أما أن يُترك المواطن وحده أمام الأسعار، ثم يُطلب منه أن يصفق للخطط والوعود، فهذا ليس إصلاحًا، بل استنزاف بطيء للثقة.

والثقة حين تنكسر لا تعود بسهولة. أخطر ما قد يحدث ليس أن يغضب المواطن يومًا، بل أن يفقد الأمل بهدوء. أن يشعر أن صوته لا يصل، وأن وجعه لا يعني أحدًا، وأن عمره الذي أعطاه للعمل والخدمة انتهى إلى راتب لا يكفيه. هذه ليست أزمة فردية، بل أزمة دولة في طريقة رؤيتها للناس. الدولة التي لا تسمع أنين أصحاب الرواتب المحدودة اليوم، ستكتشف لاحقًا أن تجاهلهم كان خطأ أكبر من أي عجز مالي.

 

أما الذين يجلسون على الكراسي اليوم، فليتذكروا أن الكرسي لا يدوم لأحد. سيأتي يوم يغادرون فيه المكاتب، وتغلق خلفهم الأبواب، ويكتشفون أن قيمة الإنسان ليست في المنصب الذي شغله، بل في الأثر الذي تركه. هناك من مرّ على المسؤولية وبقي ذكره طيبًا لأنه أنصف الناس وخفف عنهم ووقف معهم يوم ضاقت الحياة. وهناك من مرّ كأنه لم يكن، لا يذكره الناس إلا بما زاد عليهم من ضيق وتعب.

المواطن لا يريد المستحيل. يريد راتبًا لا يموت قبل منتصف الشهر. يريد ضمانًا اجتماعيًا يضمن له الحد الأدنى من الكرامة فعلًا، لا اسمًا. يريد حكومة تفهم أن الإنسان لا يعيش بالشعارات، وأن "الغد الأفضل” لا يُقاس بالتصريحات، بل بقدرة المواطن على شراء دوائه، ودفع فاتورته، وملء خزان سيارته، وإطعام أسرته من دون أن يشعر أنه ينهار من الداخل.

راتب لا يكبر في زمن الغلاء ليس راتبًا ثابتًا؛ إنه راتب يتناقص كل يوم. وحياة لا ترحم أصحاب الدخل المحدود لا تحتاج إلى مزيد من اللجان، بل إلى قرار عادل وشجاع. من خدم البلد لا يجوز أن يُترك وحيدًا في آخر الطريق. ومن تعب لا يجوز أن يُعاقَب بالتجاهل. ومن صبر طويلًا لا يجوز أن يُطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية.

 

الكرامة ليست بندًا ثانويًا في الموازنة. والناس ليست أرقامًا مؤجلة. وحين يصبح الراتب عاجزًا عن حماية صاحبه، يصبح السؤال أكبر من الضمان والتقاعد والزيادة. يصبح السؤال عن معنى العدالة في بلد يطلب من مواطنيه الوفاء، ثم يتأخر في الوفاء لهم. والتاريخ، مثل الناس، لا ينسى من أنصفهم، ولا ينسى من تركهم يواجهون الغلاء وحدهم.

* نقلا عن صفحة الكاتب على فيسبوك