الإنتحارُ.. إقدامٌ على دَمارٍ ونار
عوض ضيف الله الملاحمة
أتلمس مواجع وطني بحزن
، وألم متمنياً ان يكون وطني بخير دوماً . وأستاء ، وأتكدر اذا قرأت عن حدثٍ
سلبي ، يؤشر على وجود خللٍ ما ، او وجعٍ معين .
سائني الإطلاع على
إحصائية تتحدث عن أرقام حالات الإنتحار . ووجدتها مُقلقة . حيث بلغت حالات
الإنتحار ( ١٦٦ ) حالة عام ٢٠٢٤ . بينما بلغت حالات الإنتحار عام ٢٠٢٣
، ( ١٦٠ ) حالة . وهذا يعني ان هناك إرتفاعاً في عدد حالات الإنتحار في عام ٢٠٢٤ .
ونلحظ ان هناك إرتفاعاً كبيراً في عدد حالات الإنتحار اذا ما قارنا الإحصائيات
خلال( عقد ) من الزمن . فمثلاً بلغت حالات الإنتحار عام ٢٠١٤ ، ( ١٠٠ ) حالة
. وهذا يعني ان نسبة الإرتفاع في حالات الإنتحار خلال (١٠ ) سنوات حوالي ( ٣٧,٥ ٪
) .
وحتى نلحظ الزيادة أكثر
، بلغت حالات الإنتحار ( ٦٠ ) حالة عام ٢٠٠٨ . وهذا يعني ان الوتيرة في تصاعد
مستمر ، ومقلق ، وتظهر عندما نقارن حالات الإنتحار بين عام ٢٠٠٨ حيث بلغت ( ٦٠ )
حالة ، وعام ٢٠٢٤ حيث بلغت ( ١٦٦ ) حالة ، وهذا يعني ان حالات الإنتحار
تضاعفت حوالي ( ٣ ) أضعاف خلال ( ١٨ ) عاماً ، ويُستنتج منه انها
تتضاعف كل ( ٦ ) سنوات تقريباً.
بما ان وتيرة الزيادة
في حالات الإنتحار في تصاعد ، وتتزايد بشكلٍ مضطرد ، فإن الإنتحار ( يكاد )
يشكل ( ظاهرة ) في مجتمعنا الأردني ، وهذا مؤشر خطير ، ينبيء بشر مستطير ، خاصة
عندما نأخذ في الإعتبار الفئة العمرية للذين يُقدِمون على الإنتحار ، حيث تتراوح
الأعمار بين ( ١٨ — ٣٧ ) سنة . وبعد ذلك علينا ان ندقق ملياً بأسباب الإنتحار .
والأخطر الواجب
الإلتفات اليه واعلانه ، وإعلان أرقامه ، يتمثل في عدد ( محاولات ) الإنتحار التي
فشلت . لأن هؤلاء يعتبرون مشاريع منتحرين في أية لحظة . ويتوجب رعايتهم ومعالجتهم
، ليعودوا أفراداً أصحاء نفسياً ، وينخرطون في المجتمع ، وينبذون ما أقدموا عليه ،
وان لا يعودوا للمحاولة ثانية.
وما يتوجب الإلتفات
اليه ان نسبة المنتحرين ممن ( تقل ) أعمارهم عن ( ١٨ ) عاماً ، بلغ عددهم ( ١٦ )
حالة عام ٢٠٢٤ . كما ان ما تتوجب دراسته ان عدد المنتحرين من الذكور عام ٢٠٢٤ بلغ
( ١٣٥ ) حالة ، ومن الإناث ( ٣١ ) ، وهذا مؤشر يوجهنا للتفكير في أسباب الإنتحار .
صحيح أن الإحصائيات
تشير الى وقوع ( ٧٢٧,٠٠٠ ) حالة إنتحار عالمياً عام ٢٠٢٤ . وشيء جيد ان يكون ترتيب
الأردن ( ١٧٨ ) بين دول العالم في حالات الإنتحار . لكن علينا ان لا نطمئن ، ولا
نركن لذلك ، لأسباب عديدة منها ، انه من الخطأ المقارنة مع دول العالم الأخرى،
لإختلاف الظروف كلياً . وهنا سوف أورد بعض الأمثلة . فمثلاً الأسباب التي تدفع
الشباب للإنتحار في الغرب ، تختلف تماماً عن الأسباب التي تؤدي للإنتحار في وطننا
. فمثلاً من دوافع الإنتحار في دول الغرب : الفراغ العاطفي ، والتفكك الأسري ،
وإنتشار الجريمة ، والبعد عن الدين ، يضاف الى ذلك غياب الرحمة ، وغياب التكافل
الإجتماعي ، وغياب الدفء الأسري . بينما الأمور تختلف كلياً في الأردن ، فمثلاً :
نحن مجتمع متدين ، موحِّد ، فوجود الديانتين الإسلام والمسيحية ، وتمسك كل طرفٍ في
قيم ديانته ، يخلق إستقراراً نفسياً ، يضاف الى ذلك لدينا التماسك الأسرى ،
وأسرتنا الأردنية صحية بشكل عام.
أرى ان الأسباب
الرئيسية التي تؤدي للإقدام على الإنتحار تتلخص فيما يلي :—
١ )) المخدرات
٢ )) البطالة
٣ )) الفقر
٤ )) العنف الأُسري والمشاكل والخلافات العائلية .
فإنتشار المخدرات ،
وتحوّل الوطن من ممر للمخدرات الى مقر ومركز إستهلاك ، أطاح بالكثير من أخلاقيات
المجتمع الأردني . وبما ان المخدرات تُذهِب العقل ، يصبح من السهل على الشاب
المدمن ان يُقدِم على الإنتحار ببساطة لانه لا يدرك عواقب فعله وتصرفه .
أما البطالة ، فهي
المغذي الرئيسي للإقدام على الإنتحار . لأن البطالة تُدمر نفسية المتعطل عن العمل
، فهو يشعر بانه لا قيمة له ، وانه غير مؤهل لأن يلعب دوراً إيجابياً في مجتمعه .
هذا إضافة الى الفقر الذي تسببه البطالة ، التي تخلق العوز وضيق ذات اليد ، خاصة
اننا نعلم ان هناك حوالي ( ٤٥٠,٠٠٠ ) متعطل عن العمل ، وان نسبة البطالة
بوجه عام حوالي ( ٢١,٢ ٪ ) ، وان نسبة البطالة بين الشباب الجامعيين وصلت الى (
٢٩,٥ ٪ ) ، وان نسبة البطالة بين الفتيات الجامعيات حوالي ( ( ٨١ ٪ ) . وان بعض
الشباب والفتيات من الجامعيين يجلسون لعقود بعد تخرجهم دون عمل . لا بل سمعنا ان
أحد الشباب الجامعيين وصل عمره الى ( ٤٠ ) عاماً الا بضعة أيام ، وصادف ان جاء
دوره في التعيين ، فعمل جاهداً ان يستكمل إجراءات تعيينه قبل بلوغه سن الأربعين
عاماً، حتى لا يفقد فرصته الوظيفية.
الإقدام على الإنتحار
جريمة كبرى وشنيعة . والأديان السماوية تحرم الإقدام على الإنتحار . حيث قال تعالى
، بعد بسم الله الرحمن الرحيم (( ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما ، ومن
يفعل ذلك عدواناً وظلماً ، فسوف تصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا )) صدق الله
العظيم ، سورة النساء الأية رقم ( ٢٩ و ٣٠ ). وقال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم
(( من قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة )) صدق رسولنا الكريم . وقال صلى الله
عليه وسلم : (( لا يَتَمنَّينَّ أَحَدُكُمُ الموتَ من ضُرٍّ أصابه )) صدق رسولنا
الكريم.
الإنتحار فعل مذموم ،
وممجوج ، ومكروه ، بل مجنون ، ومحرم ، وشنيع ، وفيه خسران للدنيا والآخرة .
الإنتحار جريمة يرتكبها الإنسان بحق نفسه ، ويدمر عائلته من بعده .
لا أدري ما إذا كانت
الحكومات الأردنية لديها برامج للحد من ظاهرة الإنتحار ؟ ولا أدري ما الذي بوسع
الحكومات الأردنية فعله لتقليص عدد حالات الإنتحار المتزايدة بشكل مُقلق ، سوى ان
تعمل جاهدة ليصِحَّ المجتمع ، وتتحسن فيه أوضاع الناس المعيشية ، بالتخفيف من
ظاهرتي الفقر والبطالة ، وتعود الطبقة الوسطى لتسود ، وإجراء متابعة نفسية
حثيثة لمن حاولوا الإنتحار وفشلوا.
في النصف الأول من
ثمانينات القرن الماضي ، جلست مع عطوفة ابن العم المرحوم الأستاذ / صالح فارس
الطراونة ، حيث كان يعمل مستشاراً عمالياً في سفارتنا في أبوظبي ، والأستاذ /
مأمون الروسان ، زميل الدراسة في جامعة بغداد ، ورفيق العمر ، جلسنا نتحاور لليلة
كاملة عن (( الإنتحار هل هو فعل شجاعة أم جُبن )) ، واتفقنا على ان : (( المنتحر
شجاع على نفسه ، جبان في مواجهة الحياة )) .
وأختم ببيتين من الشعر
، تعذر عليّ معرفة إسم الشاعر :—
ومن يقتل نفسه بظلمٍ
وعَدوةٍ / فذاك لعمرُ الله في النارِ خالدُ
فلا تعجلن بالموت قبل
أوانهِ / فإنك بعد الموتِ لا شك واردُ .
























