الصين .. ذاك التنين الرصين
عوض ضيف الله الملاحمة
عندما تتوافر عناصر
القوة ، تظهر الهيبة . وعندما تعرف انك تقود دولة عظيمة ، تستشعر العظمة في كل
حركاتك ، وسكناتك ، وكلماتك ، وحتى إيماءاتك ، بل وحتى أنفاسك ودقات قلبك .
الرئيس الصيني المُبجل
، المُقدر ، المُعتبر ، المحترم ، العظيم / شي جين بينغ ، عكس هيبة ووقاراً ،
وعظمة ، ورصانة ، ورزانة متفردة أمام الرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب.
وهنا أرى انه لا بد من
التمهيد بمقدمة بسيطة ، بمعلومات معروفة ، للتأشير على ماذا ترتكز العظمة التي إرتكن
اليها الرئيس الصيني / شي جين بينغ في هيبته ووقاره ، أمام الرئيس الأمريكي /
دونالد ترامب.
ترتكز الصين في عظمتها
الى معطيات مهيبة ، عظيمة ، متفردة . وهنا سأذكر بعض المعطيات عن الصين مقارنة مع
الولايات المتحدة الأمريكية. فمثلاً مساحة الصين ( ٩,٦١٥,٩٦٩) مليون كم مربع
، يضاف لها مساحة تايوان ( ٣٦ ) ألف كم مربع ، لتصبح ( ٩,٦٥١,٩٦٩ ) كم مربع ،
ومساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( ٩,١٥ ) مليون كم مربع . يبلغ عدد سكان الصين
( ١,٤١ ) مليار نسمة ، يضاف لها عدد سكان تايوان ( ٢٣ ) مليون نسمة ، لتصبح ( ١,٦٤
) مليار نسمة ، عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ ( ٣٤٩ ) مليون نسمة .
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين ( ٢٠,٤ ) تريليون دولار أمريكي . ويبلغ الناتج
المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية ( ٣٠,٦ ) تريليون دولار أميركي . يضاف
الى ذلك كله علينا ان لا نغفل عن التاريخ ، والعراقة ، حيث يبلغ عمر الحضارة
الصينية ( ٥ ) آلاف عام ، بينما الحضارة الأمريكية يبلغ عمرها ( ٢٤٩ ) عاماً . ومن
الضروري الإشارة الى ان حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا إنخفض من ( ٦٩٠,٤ )
مليار دولار عام ٢٠٢٢ الى ( ٤١٤,٧ ) عام ٢٠٢٥ . وللعلم ميزان التبادل التجاري بين
البلدين يميل بشكل كبير جداً لصالح الصين ، حيث بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين
عام ٢٠٢٥ ( ١٠٦,٣ ) مليار دولار ، بينما بلغت صادرات الصين الى أمريكا (
٣٠٨,٤ ) مليار دولار لنفس العام.
هناك إختلاف كبير بين
الإقتصاد الصيني والأمريكي ، ويتمثل ذلك الإختلاف في :—
١ )) نسبة النمو في الإقتصاد الصيني عام ٢٠٢٥ بلغت ( ٥ ٪ ) . ونسبة النمو في الإقتصاد
الأمريكي لنفس العام بلغت ( ٢,٢٪ ).
٢ )) كل المؤشرات تشير الى ان الصين ستتفوق على
أمريكا إقتصادياً في عام ٢٠٣٠.
٣ )) يستمد الإقتصاد الصيني قوته من مزيج فريد يشمل :
قاعدة صناعية متكاملة ، سوقاً محلية ضخمة ، وفرة الموارد البشرية ، والعمالة
الماهرة ، إمتلاكها توجهاً إستراتيجياً مكثفاً نحو الإبتكار التكنولوجي ، بالاضافة
إلى الإستثمارات الهائلة في الطاقة المتجددة والأتمتة الصناعية .
٤ )) التركيز في التصنيع على تلبية كافة الاحتياجات
والمتطلبات الضرورية للناس ، حتى البسيطة منها .
إرتكن الرئيس الصيني
الى كل ذلك ، بالإضافة الى رزانته ، ورصانته ، وصلابة شخصيته ، إضافة الى الفروق
الشخصية بين الرجلين ، فوضع الرئيس الأمريكي بعدة مواقف محرجة ، وربما تكون
مُهينة الى حدٍّ ما.
والأهم ما تضمنه خطاب
الرئيس الصيني ، عندما قال : هل تستطيع الصين والولايات المتحدة الأمريكية تجاوز
ما يسمى (( بفخ ثيوسيديدس Thucydides Trap )) : وهو مصطلح سياسي يصف الحالة التي تزداد فيها إحتمالات الحرب ،
عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة قائمة ، حيث يولد خوف القوة المهيمنة من
هذا الصعود توتراً يؤدي غالباً الى صراع مسلح . وصاغ هذا المسمى عالم السياسة
الأمريكي/ غراهام أليسون ، مستوحى من المؤرخ اليوناني القديم / ثيوسيديدس ، الذي
وثّق الحرب بين أثينا وإسبرطة.
لم نرَ الرئيس
الأمريكي/ ترامب وهو في الصين كما عهدناه عند زياراته للعديد من الدول ، ولا حتى
عند إستقباله العديد من رؤساء الدول في البيت الأبيض ، مطلقاً . حيث كان حذراً ،
متيقظاً ، هادئاً ، ملتزماً ، ومنضبطاً في كلماته ، وحركاته . وإذا تحدث يأخذ
كلامه منحى الإعجاب حدّ الذهول ، ويكيل المديح للرئيس الصيني . بينما ما عهدناه من
الرئيس الأمريكي/ ترامب دوماً ، عدم الإلتزام في البروتوكول ، ولا يتردد عن توجيه
إساءات لفظية او حركية تُهين وتُحرج الضيف او المضيف ، لأنه يدرك تماماً انه في
حضرة (( التنين )) العظيم.
تصوروا ان الرئيس
الأمريكي/ دونالد ترامب ، خلال زيارته للصين ، أصدر تصريحاً موجهاً الى تايوان ،
حذرها فيه من إعلان الإستقلال.
كما حذر الرئيس الصيني
/ شي جين بينغ ، في خطابه أثناء القمة الصينية الأمريكية ، من تسارع وتيرة
التغيرات التي لم يشهدها القرن.
وأتت زيارة الرئيس
الأمريكي الى الصين بعد توقف للزيارات المتبادلة بين رؤساء الدولتين دام لحوالي (
٩ ) سنوات . حيث أتت بعد توترات ، وحربٍ تجارية بين البلدين ، وفي سياقٍ
إقليمي معقد.
كما تخلل الزيارة
الكثير من المفارقات ، فمثلاً :—
— غيّر الرئس ترامب رأية في الرئيس الصيني من (
عجوز سمين ) الى ( صديقٍ مُقرّب ).
— رغم الحرب التجارية بينهما ، الا ان الرئيس /
ترامب وصف مباحثاته بأنها حققت ( صفقات رائعة ) ، حيث اعلن عن نية الصين شراء (
٢٠٠ ) طائرة بوينغ.
— وصِفَ الوفد المرافق لترامب بأنه وفد (
المليارديرات ) بدلاً من وفد (الدبلوماسيين ) .
— أُجبِر الوفد الأميركي على ترك هواتفهم الشخصية
وأجهزتهم الإلكترونية قبل دخول إجتماعات معينة .
— أشارت تقارير الى حدوث مشادات بين الحراس
الشخصيين الأمريكيين والصينيين ، في حادثة عكرت صفو البروتوكول الرئاسي .
— أظهرت الزيارة الرئيس / ترامب في موقف يجمع بين
البراغماتية الإقتصادية بتحقيق ( صفقات رائعة ) ، والتقلب السياسي ، محاولاً تحقيق
توازن بين الضغط على الصين في ملفات التجارة وإيران ، وبين كسبها كشريك تجاري .
الصين وأمريكا دولتان
عظيمتان يحكمان العالم ويقودانه ، أمريكا بالقوة ، والغطرسة ، والتعدي ،
والإستغلال ، ((ونجمها يخفت )) ، والصين بالإقتصاد والإقتصاد فقط ، ((ونجمها يسطع
)) ، ويلمع ، ويشع . دولتان عظيمتان ، حذرتان في تعاملهما مع بعضهما البعض .
قال لي صديقي سعادة
السفير / محمد علي الظاهر بانه عندما كان يعمل في سفارتنا في موسكو ، في
الثمانينات من القرن الماضي ، أيام الإتحاد السوفييتي ، وود السفر الى إحدى الدول
الإسكندنافية في زيارة خاصة ، وبينما كان يجلس في الطائرة بدأ حواراً عاماً مع
شخصٍ يجلس بجواره ، من الإتحاد السوفييتي السابق ، فسأله الأستاذ / محمد علي
الظاهر ، ما الذي تستفيده كمواطن عندما تكون مواطناً من الإتحاد السوفييتي ، وتعيش
بمستوى حياة ليست كحياة الغرب ؟ رد عليه وقال : أنت لم تعش ولم تستشعر عظمة
إنتمائك الى بلد عظيم يحسب كل العالم حسابه .
فعلاً إن الصين تنين
رصين ، ضخم ، عظيم ، مُهاب . وكما يقول المثل الشعبي : (( ما بيجيب الرطل غير
الرطل او وقية ))
























