ماذا بعد حملة التهويل التي تروّج لها هيئة البث الإسرائيلية؟
بقلم: د. خالد موسى
أستاذ العلوم السياسية
تتواصل حملة التهويل
الإعلامية بشأن قطاع غزة، وكأنها تُصوّر القطاع على أنه قوة عسكرية هائلة تهدد
وجود إسرائيل. إنها حملة ممنهجة وواضحة المعالم، تتبناها وسائل إعلام مرتبطة
بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتروّج لروايات متعددة، من بينها أن حركة حماس
أعادت تنظيم صفوفها، وجنّدت آلاف المقاتلين الجدد، وأن كتائب القسام نجحت في تصنيع
آلاف العبوات الناسفة والصواريخ، فضلًا عن مزاعم تتحدث عن إعادة بناء بنية تحتية
واسعة تحت الأرض استعدادًا لجولة قتال جديدة. وفي الوقت ذاته، تؤكد هيئة الأركان
الإسرائيلية أن الجيش يستعد لعملية عسكرية واسعة في غزة، رغم ما يُقال عن وجود
تحفظات أمريكية.
تبدو هذه الحملة وكأنها
تتحدث عن قطاعٍ معافى يمتلك جميع مقومات القوة، بينما يختلف الواقع بصورة كبيرة.
فما الذي تبقى من غزة بعد أشهر طويلة من الحرب؟ فقد أصبحت مساحات واسعة من القطاع
تحت السيطرة الإسرائيلية، في حين تخضع المناطق المتبقية لرقابة واستهداف مستمرين
من سلاح الجو والطائرات المسيّرة والزوارق الحربية التي لا تغادر سواحل القطاع
ليلًا أو نهارًا. وفي ظل هذا الواقع، يبرز التساؤل: أين تكمن تلك الاستعدادات
العسكرية الضخمة التي يجري الحديث عنها؟
لقد تعرض قطاع غزة
لدمار غير مسبوق، ولحرب خلّفت خسائر إنسانية ومادية هائلة، في وقت تواصل فيه
إسرائيل تجاهل القانون الدولي وقرارات المؤسسات الحقوقية والإنسانية. كما تبدو هذه
الرسائل الإعلامية جزءًا من سياسة تهدف إلى التأثير في مسار المفاوضات، لا سيما
بعد رد الفصائل الفلسطينية على المقترحات المطروحة، وطرح شروط جديدة أكثر تشددًا،
بما يعكس رغبة في إبقاء غزة تحت أقصى درجات الضغط.
وتشير المعطيات إلى أن
الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، تسعى إلى توظيف التصعيد العسكري
والإعلامي لخدمة حساباتها السياسية الداخلية، في ظل اقتراب الاستحقاقات
الانتخابية، حيث يبدو أن تحقيق مكاسب سياسية داخلية بات مرتبطًا باستمرار العمليات
العسكرية، وإظهار مزيد من التشدد تجاه الفلسطينيين.
ومن ثم، فإن حملة
التهويل الحالية لا تبدو مجرد تغطية إعلامية، بل قد تشكل تمهيدًا لواحد أو أكثر من
ثلاثة أهداف رئيسية: تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لأي تصعيد عسكري جديد، وتعزيز
أوراق الضغط في مسار المفاوضات، أو محاولة تبرير استمرار الحرب أمام المجتمع
الدولي عبر تصوير غزة باعتبارها مصدر تهديد دائم. وفي جميع الأحوال، فإن الحرب
الإعلامية والنفسية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من إدارة الصراع، ولا تقل أهمية عن
المواجهة العسكرية على الأرض.
وفي ضوء هذه المعطيات،
يبدو أن الشعب الفلسطيني قد يكون مقبلًا على مرحلة أكثر صعوبة، لا تقل قسوة عما
شهده خلال الأشهر الماضية. ومن هنا، تقع على عاتق الوسطاء والجهات الضامنة لأي
اتفاق لوقف إطلاق النار مسؤولية مضاعفة لممارسة أقصى الضغوط السياسية والدبلوماسية
على الإدارة الأمريكية، وعلى الرئيس دونالد ترامب، من أجل كبح سياسات التصعيد،
والضغط لوقف أي مخططات عسكرية جديدة تستهدف قطاع غزة، بما يفتح المجال أمام مسار
سياسي يفضي إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، ويحول دون انزلاق المنطقة إلى جولة
جديدة من التصعيد.

























