قصة حقيقية أمام القضاء الأردني: إنسان يبحث عن نفسه
المحامي انس عبدالكريم
شطناوي *
قد يختلف الناس امام
القضاء على مال او ارض او ميراث، ولكن أن يقف انسان بلغ من العمر ما يجاوز
الثلاثين سنة امام القضاء ، وهو ينتظر مصيره بحكم قد يؤدي الى انتزاع اسمه ونفي
نسبه، فإنها ليست بقضية عادلة، بل إنما هي مأساة انسانية بكل ما للكلمة من معنى،
وقد يدور في فلكه سؤال اجابته مجهولة – من أنا؟؟؟
فهو قد ولد في أسرة حمل
اسمها وعاش بين افرادها ترعرع فيها، وقد تعلم وتزوج وبنى أسرته وهذا ما كان
يعتقده، ولم يكن يدور في خلده في أي يوم، بأن حياته كلها قد تكون قائمة على حقيقة
مزيفة، لم يكن له دور فيما مضى، من اختيار اسمه او نسبه، وهو الذي لم يشاهد ما جرى
يوم التسجيل، ولم يكن له دور في اتخاذ اي قرار بهذا الامر ولكنه اليوم وعند وقوفه
امام القضاء فإنه وحده من سيدفع الثمن.
فأي شعور يعتصر قلب
انسان ينتظر حكما، قد يخبره أن اباه الذي رافقه في ذكرياته ليس والده وأن الأم
التي احتضنته ليست بأمه، وأن العائلة التي حمل اسمها ليست بعائلته، فأي مستقبل
ينتظره إن قيل له أن السبب الذي عاش به قد زال عنه وأن نسبه الحقيقي مجهول، وهنا
فإنه لا يخشى خسارة دعواه بل يخشى أن يستيقظ ليجد إجابة عن أبسط اسئلته __ من انا
؟؟؟
ومن الجانب الآخر هناك
حقوق لا تقل قدسية،ً وهي حقوق ورثةً حرموا من أنصبتهم الشرعية بسبب نسب من الممكن
أن يثبت لاحقاً بأنه غير صحيح وهم اصحاب حق، فلا يجوز أن تستمر معاناتهم إذا أصبحت
الحقيقة قابلةً للإثبات، فالعدل لا يقوم على عواطف مجردة كما لا يقوم على إنكار
الحقيقة حمايةً لمشاعر أحد وجميعنا يتفق على ذلك.
وتخيل يا رعاك الله!
فهنا تتجلى أعقد صور العدالة لكون القضاء في هذه الحالة لا يقف بين يديه ظالم او
مظلوم، بل يقف بين حقين، حق الورثة في استرداد حقوقهم وحق انسان بريء لم يصنع هذا
الخطأ، وإذا ثبت مثل هذا الأمر فالمسؤولية تقع على من صنعها لا على من ولد في ظلها.
قد يصبح المال عاجزا
عندما تقف الحقيقة امام القضاء، وقد يلجأ البعض الى جميع الوسائل الممكنة، لتغيير
المصير او تأخيره، ولكن نعود ونؤكد بأن الحقيقة وان تأخرت كثيراً، فإنها ستجد
طريقها، وعندما تصل فهي لا تسأل كم سنة مضت بل تسأل فقط اين الحق؟
ويبقى السؤال الأصعب
ماذا بعد هذا الحكم ؟ هل سيكتفي القضاء بتحقيق تصحيح النسب امام المجتمع والدولة؟
أم أنه مطالب بحماية هذا الإنسان من الإنهيار؟ فمن غير المقبول أن يقال لإنسان لقد
فقدت نسبك ويترك وحيداً يواجه الفراق، فمثل هذا النوع من الدعاوى تحتاج الى معالجه
تتجاوز حدود الحكم القضائي، معالجة تحفظ الحقيقة وتحفظ معها الإنسان، وهي معادلة
ليست بالأمر الهين، فإذا كان لابد من إعادة الحقوق الى أصحابها فلابد من البحث عن
النسب الحقيقي إن أمكن وتمكينه من معرفة جذوره، وصون كرامته، وعدم تحميله تبعات
أخطاء إرتكبها غيره قبل عشرات السنين.
ونشير هنا الى أن
الإنسان ليس مجرد اسم، بل حقوق وعدالة وهوية، ومن غير المستباح بأن يتحول انسان
بريء الى ضحية جديدة بعد ان كان ضحية اخطاء غيره، ومثل هذه الحالة التي نتباحث بها
فقد يربح الورثة حقوقهم وتنتصر الحقيقة ولكن يبقى قلبه يرتجف وهو ينتظر الحكم
خاشياً خروجه من نسبه ولأي أب ينتسب ولأي عائلة يعود ولحظتها فأننا نتحدث عن أمر
مفاده ليست قضية نسب فحسب – بل قضية - انسان يبحث عن نفسه.
·
المحامي انس عبد الكريم
شطناوي
امين سر نقابة المحامين
الأمين العام المساعدة
لإتحاد المحامين العرب

























