المطر بين السنن الكونية والتخطيط الاستراتيجي
بقلم : محمد خالد
الزعبي
من نافذة بيتي هنا في
أمريكاوالمطر يهطل بغزارة من حولي يفرض هذا المشهد نفسه ليشعل في الذاكرة صدى
أسئلة لا تنتهي أسئلة يطرحها الملايين بوجع وحيرة: لماذا تتدفق السماء هنا بلا
انقطاع وتكتسي الأرض خضرة ورواء بينما تبقى بلادنا تترقب الغيمة وتحسب حساباً لكل
قطرة ماء؟
هذا السؤال، حين يُطرح
من منطلق عاطفي بحت يتحول إلى أداة إحباط وتساؤلات مشروعة حول عدالة التوزيع لكن
حين نتجاوز السطح إلى العمق، نكتشف أننا أمام معضلة خلط خطيرة بين السنن الكونية
الإلهية وبين المفاهيم الإيمانية والغيبيات .
إن الخطأ الأكبر الذي
يقع فيه الخطاب الشعبي هو محاكمة الأرصاد الجوية بمنظور المكافأة والعقاب فالله
سبحانه وتعالى قرر في محكم تنزيله قاعدة أزلية واضحة بأن عطاء الدنيا من ماء
وتهوية وخصب مفتوح للجميع مؤمن وكافر لأن الدنيا في ميزان الخالق لا تساوي جناح
بعوضة وحين نربط غزارة المطر في الغرب برضا الله وشحه في بلادنا بغضبه، فإننا نلغي
بوعي أو بغير وعي السنن الكونية التي أراد الله لهذا الكون أن يدور بها .
المطر هنا ليس هبة
مجانية بلا أسباب، بل هو نتاج منظومة هندسية وجغرافية محكمة تحظى بمحيطين من أصل
خمسة محيطات عالمية كوضع طبيعي طوال العام رطوبة مستمرة تبخر دائم، وتيارات هوائية
حاملة للبخار تصطدم باليابسة فتتحول فوراً إلى أمطار وإلى جانب حتمية الموقع لم
تعتمد الدول المتقدمة على الجغرافيا وحدها بل أنفقت مليارات الدولارات على هندسة
المياه وبناء السدود العملاقة وشبكات الحصاد المائي وإدارة السيول ومراكز الأبحاث
والدراسات المناخية لتدير قطرة الماء بذكاء اقتصادي وهندسي مرعب .
حين ترتفع أيدينا
بالدعاء والصلاة في بلادنا وهو حق أصيل وعبادة عظيمة فإننا نتخلى أحياناً عن الشق
الثاني من المعادلة الإلهية المتمثل بالأخذ بالأسباب فالدعاء وحده لا يصنع سحابة
ولا ينشئ شبكة تصريف، والتوكل لا يعني تعطيل العقل والتخطيط الاستراتيجي المشكلة
الحقيقية في مناطق كثيرة من عالمنا العربي ليست في كمية المطر التي تنزل فحسب بل
في إدارتها وحصادها، حيث تهطل أمطار غزيرة في ساعات معدودة فتتحول إلى سيول مدمرة
تذهب سدى لعدم وجود البنية التحتية القادرة على تخزينها واستثمارها .
من نافذة غرفتي في
أمريكا حيث تبتلع الأرض كل قطرة مطر وتوظفها في دورة حياة ذكية، أدركت أن المطر
رزق إلهي لكن إدارته واستثماره وحفظه مسؤولية بشرية خالصة وبدل أن نستهلك طاقاتنا
في السؤال المكرر عن سبب هطول المطر لديهم وغيابه عنا، يجب أن يتحول الخطاب إلى
سؤال استراتيجي جارح عما فعلناه بكل قطرة ماء أنزلها الله على أراضينا وأين خططنا
المستقبلية لإدارة الأمن المائي فالسماء تعطي لمن يفهم لغة الكون والأرض تنبت لمن
يحسن عمارتها.

























