إدارة الاختلاف بوصفها شرطاً للبقاء الوطني
كتب:
جودت مناع
ما
تشهده الساحة الفلسطينية من تراشق إعلامي حاد على مواقع التواصل الاجتماعي يتجاوز
حدود الاختلاف السياسي الطبيعي، ليعكس أزمة أعمق في الوعي الوطني وآليات إدارة
الخلاف. فالمجتمعات الحية تُقاس بقدرتها على تنظيم التباين في الرؤى والمواقف، لا
بتحويله إلى حالة من العداء المتبادل والتخوين ونزع الشرعية عن الآخر.
ومن
منظور علم الاجتماع، فإن تصاعد خطاب الكراهية مؤشر على تراجع القيم الجامعة التي
تشكل أساس التماسك المجتمعي. وعندما يصبح الانتماء الفصائلي أو السياسي الهش
بديلاً عن الانتماء الوطني الشامل، يتحول الخلاف إلى استقطاب حاد يرى فيه كل طرف
نفسه ممثلاً للحقيقة المطلقة، بينما يُنظر إلى الطرف الآخر باعتباره خطراً يجب
إقصاؤه لا شريكاً في الوطن.
الأخطر
من ذلك أن هذا الاستنزاف الداخلي يتزامن مع استمرار العدوان والاستيطان، ما يؤدي
إلى تشتيت الجهد الوطني وإضعاف القدرة الجماعية على مواجهة التحديات الكبرى.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُهزم بسبب اختلافاتها، بل بسبب عجزها عن إدارة تلك
الاختلافات ضمن إطار جامع يحفظ وحدتها ومصالحها العليا.
إن وقف
هذا النزيف لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل بإعادة الاعتبار لثقافة الحوار
والمسؤولية الوطنية، والانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة. فالمصلحة الوطنية
الفلسطينية أكبر من أي خلاف سياسي، ومستقبل الشعب الفلسطيني يتطلب بناء مساحة
مشتركة تتسع للتعددية وتحول الاختلاف من مصدر للانقسام إلى مصدر للقوة والتجدد.
وفي ظل
التحديات الوجودية التي يفرضها الاحتلال ومشروعه الاستيطاني، تبدو الحاجة ملحة إلى
خطاب وطني جامع يعيد توجيه البوصلة نحو القضايا الكبرى، ويحصن المجتمع الفلسطيني
من مخاطر التفكك وتآكل المناعة الداخلية.
"جودت مناع كاتب صحفي
فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي
للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين
والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب
الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























