بين مطرقة التشهير وسندان النقد المباح: أين يقف القانون من النشر ؟
بقلم: جودت مناع
أكثر ما يؤرق الصحفيين والمدونين غياب المعرفة العميقة
بقوانين القدح والذم والتشهير المتعلقة بالنشر. غير أن الاستعانة بمستشارين
قانونيين يتولون مراجعة المواد قبل نشرها، تُقلل من فرص الوقوع في فخ المساءلة
الجزائية.
وبالقراءة القانونية الدقيقة لأي نص، يجب التأكد بشكل قاطع من
خلوه من مظاهر التجريم، ومطابقته لمعايير "النقد المباح" والحرية
المسؤولة. فإذا استند المنشور ابتداءً إلى سرد حكم قضائي صحيح وقطعي أُعلن علناً،
فإن ذلك يخرجه تماماً من دائرة "نشر الأخبار الكاذبة" أو التشهير؛ إذ إن
علنية الأحكام وحق نقلها مكفولان بموجب القانون والدستور.
خلال إعدادي لرسالة الماجستير في جامعة ليدز البريطانية حول
"تعامل الصحفيين الأجانب مع قوانين الإعلام"، أجريت استبياناً بين نخبة
من الزملاء؛ ومنهم الأستاذ عبد الباري عطوان قبل مغادرته صحيفة "القدس
العربي" في لندن. حيث تبين أن نشره خبراً منقولاً عن صحيفة "نيويورك
تايمز" الأمريكية—وليس حكماً قضائياً نهائياً—أوقعه في مساءلة قانونية انتهت
بفرض غرامة مالية عليه قدرها مئتا ألف جنيه إسترليني. لكن وعيه القانوني دفعه لعقد
مصالحة مع الجهة المدعية "الكويت" آنذاك، تنازل بموجبها الخصم عن حقه
المالي، فنجت الصحيفة من إغلاق مؤكد.
وغير عطوان وقعوا في مصيدة التجريم بالتشهير ومنهم الزميل
جهاد الخازن رئيس تحرير صحيفة الحياة وصحيفة العرب اليوم ومجلة سوراقيا آنذاك
الصادرة جميعها في لندن ولكن بتهم تجريم مختلفة.
إن التساؤلات الموجهة للمسميات الوظيفية حول الكفاءة والتبعات
المالية تجد حمايتها القانونية المباشرة؛ فالقانون يعفي من العقاب كل من يوجه
نقداً موضوعياً يتعلق بأداء وظيفة رسمية أو إدارة عامة، طالما ثبتت صحة الواقعة
واستهدفت المصلحة العامة، مثل النشر حول فساد أغذية نافدة الصلاحية، أو الأخطاء
الإدارية التي تتسبب في خسائر مالية للمؤسسات.
وعندما تتجلى في النص أسمى معاني "حسن النية"، عبر
خلوه تماماً من الألفاظ النابية، أو الإهانات الشخصية، أو الاتهامات الجنائية
المرسلة، وتركيزه حصراً على الأداء المهني المؤسسي؛ فإن ذلك يعزز فرص البراءة
الحتمية المتهم المفترض.
بعض وسائل الإعلام تتجه للمبادرة باعتذار قبل أن يتخذ المدعي
إجراء قانونيا ضد المتهم المفترض مما يقلل من وطأة العقوبة و أو يلغيها في أحيان
كثيرة. البعض الآخر يبادر لعقد تسوية قانونية مبكرة خارج نطاق القضاء وهو خيار لم
أعلم به في دول البلدان النامية.
إن ملاحقة النقد الموضوعي تُفرغ حريات التعبير من مضمونها؛
فالصياغات المتزنة التي تحمي المؤسسات ولا تمس شرف الأشخاص، تظل دائماً تحت مظلة
القانون وصمام أمان لرقابة مجتمعية واعية.
---------------
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني،
أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة
في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد
الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين.
عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
----------------
"بين الحد الفاصل للتشهير
والمساحة المكفولة للنقد المباح؛ تظل علنية النشر المكرر المجاز وحسن النية
الضمانة الأساسية لحرية النشر المسؤول وسيادة القانون."

























