حين يستغرق الأردنيون في التفاؤل... تصطدم الآمال بتكلس المنظومة
بلال العقايلة
كلما صدر قرار بمحاسبة
مسؤول، امتلأت نفوس الأردنيين بالأمل واستغرقوا في التفاؤل وكأن البلاد تقف على
أعتاب مرحلة جديدة من الإصلاح.
وهذا ليس جديدا على الذاكرة الوطنية .. ففي عام
1984، استقبل الأردنيون ما عرف بـ (الثورة البيضاء) التي ارتبطت بحكومة أحمد
عبيدات، واعتقد كثيرون يومها أن معركة الفساد قد بدأت بالفعل، وأن الدولة مقبلة
على تحول نوعي في الإدارة والرقابة غير أن تلك التجربة انتهت قبل أن تلامس الغاية
التي علق الناس عليها آمالهم ولم تلبث حتى أقيلت الحكومة، فعاد السؤال ذاته يفرض
نفسه.. هل يكفي تغيير الأشخاص أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتغيير المنظومة التي
تنتج الخلل وتحمي استمراره؟
واليوم يتكرر المشهد
بصورة تكاد تكون متطابقة فلا شك أن محاسبة أي مسؤول تثبت مخالفته للقانون هي خطوة
تستحق التأييد، لأنها تؤكد أن لا أحد فوق المساءلة لكن التجارب علمتنا أن الإصلاح
لا يقاس بقرار منفرد ولا بحجم التفاعل الشعبي معه، وإنما بقدرته على الوصول إلى
الجذور التي تنتج الفساد وتسمح له بالاستمرار.
لقد امتلأت تقارير
ديوان المحاسبة وعلى مدى سنوات طويلة، بملاحظات وتجاوزات مالية وإدارية لكن
المواطن ما زال يتساءل عن مآلات كثير من تلك الملفات، ولماذا لا يرى نتائج واضحة
تعزز الثقة بأن المساءلة تشمل الجميع وأنها لا تتوقف عند حدود معينة.
وفي المقابل.. لا تزال
قضايا تمس حياة المواطنين اليومية تفرض نفسها بإلحاح.. فارتفاع أسعار الكثير من
الأدوية إلى خمسة أو ستة أضعاف مقارنة بدول مجاورة يثير تساؤلات متكررة.
كما أن الارتفاع الكبير
في أسعار اللحوم وما يثار حول ضعف المنافسة أو مظاهر الاحتكار في هذا القطاع،
مثلما هي الحاجة الى التدقيق في الأموال والمنح التي تنفقها الجهات الدولية
والأجنبية.
بل أكثر من ذلك الحاجة
الى التدقيق في غاية تلك المنظمات من الدعم والمشاريع التي تنفذها ومنها الولوج
إلى جوهر المجتمع واللعب في قيمه ومعتقداته، كل ذلك يجعل المواطن يتطلع إلى مزيد
من الشفافية والرقابة وتطبيق القانون متى ثبتت أي مخالفة، لأن الإصلاح الحقيقي لا
يقتصر على معالجة الوقائع الفردية بل يمتد إلى كل ملف يؤثر في حياة الناس وثقتهم
بالمؤسسات.
ومن يعرف طبيعة صناعة
القرار في الأردن يدرك أنها لا تمر في الغالب عبر إرادة فردية، بل عبر منظومة من
المؤسسات والآليات والتشاورات بما يجعل القرار النهائي نتاج مسار معقد ومتداخل.
ولهذا.. فإن ما يظهر للرأي العام قد لا يكون دائما الصورة الكاملة الأمر الذي يدعو
إلى التروي في قراءة الأحداث بعيدا عن الانفعال أو التسرع في إطلاق الأحكام.
إن المطلوب اليوم، ليس
أن نفرح بإقالة وزير ثم نطوي الصفحة، وإنما أن نتيقن بأن القانون أصبح أكثر حضورا
وأن مظاهر تضارب المصالح والاحتكار قد تراجعت فعليا وأن مؤسسات الرقابة غدت أكثر
قدرة على إنفاذ توصياتها حينها نقرر إن كنا أمام حالة إصلاح حقيقية وليست نكايات
وتصفية حسابات.
نحن مع محاربة الفساد
أيا كان صاحبه، ومع كل خطوة تعزز النزاهة وسيادة القانون لكننا نؤمن أيضا بأن
الإصلاح المستدام لا يتحقق إلا حين تُراجع المنظومة نفسها وتسد منافذ الخلل ويصبح
القانون هو المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء.
فالإصلاح الحقيقي لا
يبدأ حين تسقط ورقة من الشجرة بل حين تمتد اليد إلى الجذور فتقتلع أسباب الخلل من
أساسها وعندها فقط يصبح التفاؤل وعيا والأمل مشروعا والثقة ثمرة لواقع جديد يراه
الناس في مؤسساتهم قبل أن يسمعوا عنه في الأخبار.

























