صديقي الرئيس: هل أدلّك على واحدة من أكبر السرقات واخطرها ؟
م. خالد باز حدادين
تخيّل أن يأتيك خبرٌ في
مطلع كلّ عام: «ستُخصَم من حياتك هذه السنة 41 يوم عملٍ كاملًا، لن تعمل فيها ولن
تنام ولن ترى أطفالك — بل ستقضيها جالسًا خلف مقود سيارتك تنتظر أن تتحرّك السيارة
أمامك». هذا الخبر يصلك فعلًا كلّ عام، لكن بالتقسيط، دقيقةً دقيقة، فلا تنتبه
للفاتورة.
فازدحام عمّان يسرق من
كلّ واحدٍ منّا 41 يومًا كلّ سنة… فهل تعلم ذلك؟
بحسب موقع (نومبيو) Numbeo المتخصّص في مؤشرات جودة الحياة، يبلغ مؤشر
الازدحام في عمّان نحو 190، كأسوأ سادس عاصمة في آسيا، وثاني أسوأ عاصمة عربية،
ومرشّحة لتصبح الأولى)، بمتوسط زمن رحلةٍ باتجاه واحد يقارب 40.62 دقيقة. يعني ذلك
أن رحلتك ذهابًا وإيابًا تلتهم نحو 81 دقيقة يوميًّا. اضربها في 240 يوم دوامٍ في
السنة، تحصل على 325 ساعة؛ أي ما يعادل 41 يوم عملٍ كاملًا، بثماني ساعات، تذوب في
الزحمة سنويًّا.
ماذا كنت ستفعل ايها
هالعماني بـ 325 ساعة؟
هنا تبدأ المفارقة
الموجعة… والمضحكة في آنٍ واحد. في هذه الساعات نفسها كنت تستطيع أن:
• تقرأ نحو 40 كتابًا في العام… أما الآن فالكتاب
الوحيد الذي أتقنته هو تعابير وجه السائق الذي بجانبك، أو عدّ حبات الكيربستون
الملوّن المحطّمة على الدوار السابع او عدد الحواجز الحديدية المحطمة على الطريق
وانت تدخل عمان.
• تتعلّم لغةً جديدة كلّ سنة… لكن العبارة الوحيدة
التي أتقنّاها جميعًا هي: «يا زلمة، تحرّك! »، أو عبارة: «وبعدين مع هالشرطي
المسكّر الشارع الجانبي».
• تمارس الرياضة أكثر من 200 مرّة… أما تمرينك
اليومي الوحيد فهو رفع ضغط الدم في شارع المدينة المنورة.
• تزور محافظات الاردن واحدة واحدة اكثر من 5 مرات
لكل محافظة … بدل من ان تكون زيارة اي محافظة حدثاً.
• وإن كان احدنا صاحب دولة او معالي
متقاعدًا، نستطيع بهذا الوقت أن نشارك في 100 جاهة طلب عروس أو النطق بها.
والحقيقة الطريفة
الحزينة: أنّ معظمنا يقضي مع «مقود السيارة» وقتًا أطول ممّا يقضيه في الحديث مع
شريك حياته. ولو كان الصبر وقودًا، لأنارت أعصاب سائقي عمّان شبكة الكهرباء
الوطنية بأكملها.
والأخطر أنّ الفاتورة
تتراكم.
هذه الـ 325 ساعة ليست
حدثًا ويمر؛ إنها إيجارٌ سنويّ تدفعه من عمرك. على مدى حياةٍ مهنيّة من 35–40
عامًا، ستكون قد أمضيت ما يقارب سنة ونصف من عمرك الى سنتين — وأنت مستيقظ —
داخل سيارتك في الزحمة. سنة ونصف كاملة او السنتين ، لا في سفرٍ ولا في عملٍ ولا
مع عائلة، بل بين إشارتين، آخذين بعين الاعتبار أنّ هذه السنة والنصف هي الحدّ
الأدنى إذا استقرّ الحال على ما هو عليه، وهذا مستبعَد… لذا فترة سجنك في سيارتك
ستزداد تلقائيًّا بالتقسيط لتصبح سنوات… خاصةً أنّنا نتعامل مع التنقّل، النقل
والمرور، بالطريقة نفسها، والأدوات نفسها، وترتيب وهياكل الإدارات نفسها.
والثمن الذي لا يُرى
أيضًا: أنّ كلّ راكبٍ في عمّان يُطلق نحو طنَّين من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا
بسبب تنقّله، ويلزم ما يقارب 92 شجرة لتعويضها. أي أنّ كلًّا منّا، كلّ عام،
«يستهلك» غابةً صغيرة… ثم نتساءل لماذا يثقل هواء المدينة.
فماذا لو لم نفعل
شيئًا؟
عمّان تكبر، والسكان
يزدادون، والسيارات تتكاثر أسرع من الشوارع. وإن بقينا على حالنا، فالمشهد بعد
سنواتٍ قليلة ليس صعبًا على التخيّل: مدينةٌ ستُقاس مسافاتها بالساعات لا
بالكيلومترات، ومواعيدنا تُضرب بـ"إن شاء الله إن قدرت أصل"، وجيلٌ ينشأ
وهو يظنّ أنّ الطفولة نصفها في المقعد الخلفي للسيارة. مدينةٌ عمّان يهرب منها
الوقت، والوقت يهرب معه الاستثمار والإنسان.
الأرقام أعلاه ليست
شتيمة، إنها جرس إنذار. وهو يدقّ الآن.
صديقي دولة الرئيس،
عمّان تسرق من كلّ واحدٍ منّا 41 يومًا كلّ سنة… وهم لا يشعرون.
في البوست القادم،
سنترك جرس الإنذار جانبًا، ونتحدّث بلغةٍ مختلفة تمامًا: ما الحلّ؟ وكيف تحوّلت
مدنٌ كانت أسوأ من عمّان إلى مدنٍ يتنفّس فيها الناس؟

























